صندوق الاقتراع ليس أصل الحريق:أزمة الديمقراطية في أميركا وإسرائيل

بقلم إلياس عيسى الياس

تُخطئ الشعوب حين تظن أن معاركها الكبرى تُخاض في يوم واحد، وأن الورقة التي نسقطها في صندوق الاقتراع هي التي تصنع مصيرنا وحدها.

حين قرأت مقال توماس فريدمان في “نيويورك تايمز” تحت عنوان “ديمقراطيتان في مهب صندوق الاقتراع”، شعرت بقرابة فكرية مع خوفه، وبغربة عن تحليله.

يتحدث فريدمان بنبرة من يقف في بيت تلتهمه النيران، محذراً من أن الانتخابات القادمة — انتخابات الكنيست الإسرائيلي في 27 تشرين الأول (أكتوبر)، والانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2026 — ستحول صندوق الاقتراع إلى أداة لتقويض الدولة بأيدي أبنائها.

خوف فريدمان إنساني؛ فنحن نخشى ضياع الحرية.

بيد أن الخلاف بيننا يكمن في نقطة البداية: فهو ينظر إلى يوم الاقتراع بوصفه لحظة الخطر، بينما أرى في الصندوق مرآة تعكس ما جرى قبلها.

فصندوق الاقتراع لا يشعل الحريق، بل يكتفي بإظهار ما كان يحترق في الخفاء منذ سنوات.

يضع فريدمان ترامب ونتنياهو في مركز الصورة وكأنهما أصل الشر.

لكن التجربة تعلّمنا أن القادة الشعبويين هم نتاج شروخ أهملناها ونظام فقد شرعيته.

السياسي الذكي لا يخلق الخوف من العدم، بل يستغل مرارة الناس ليؤجج أزمة قائمة بالفعل.

وهنا يجدر بنا التوقف لتمييز الفرق البنيوي بين الحالتين؛ فالأزمة في إسرائيل تمس هوية النظام: لمن تُعطى الحقوق ومن يُستثنى منها؟

بينما تدور الأزمة في أميركا حول كفاءة المؤسسات: هل تهتم الدولة بالمواطن العادي أم نسيت وجوده؟

هما أزمتان مختلفتان في الجذر، متطابقتان في الأثر: انقطاع الثقة بين الشارع والمنظومة الحاكمة.

في الحالة الإسرائيلية، يستشهد فريدمان بتحذير موشيه يعالون وحسرته على الانزلاق نحو التطرف.

غير أن هذه الحسرة تأتي متأخرة وتتجاهل أصل الخلل.

فالأزمة لا تعود لنفوذ المستوطنين فحسب، بل لتناقض جوهري: لا يمكن ادعاء الديمقراطية بينما يعيش ملايين الفلسطينيين تحت السيطرة العسكرية وسلب كرامتهم.

إن سلب حقوق الآخرين يمتد لينخر العدالة في قلب المجتمع نفسه، وما صعود اليمين المتطرف إلا حصاد عقود من الإفلات من العقاب والتوسع الاستيطاني.

وفي أميركا، يتناول فريدمان صعود ترامب كأنه زلزال مفاجئ، متغافلاً عن جذوره الاقتصادية والاجتماعية.

هذا السخط هو حصاد سنوات شعر فيها المواطن بأن النمو لا ينعكس على حياته، وأن النخب تعيش في برج عاجي.

وحين فتحت المحكمة العليا الباب أمام كبار أصحاب الأموال للتحكم بالسياسة عبر قرار (Citizens United) عام 2010، الذي أسقط القيود عن إنفاق الشركات وجماعات الضغط في الحملات الانتخابية، تكرّس شعور الناس بانعدام الجدوى، فبحثوا عن صوت صارخ يعادي المنظومة.

لكن الصدق يقتضي ألا نبرئ الناخب تماماً؛ فالانتخابات قرار أخلاقي ومسؤولية قائمة على من يختار قيادة تهدد المبادئ الديمقراطية نفسها.

غير أن المسؤولية الأكبر تظل واقعة على عاتق النظام الذي أنتج الظروف السياسية والاجتماعية التي جعلت هذا الاختيار المتطرف ممكناً.

ومن هنا، فإن جذور الأزمة تكمن في التعامل مع المؤسسات وكأنها كيانات معصومة؛ فالديمقراطية ليست نصوصاً جامدة، بل هي القدرة على منح الإنسان الأمان والشعور بالعدالة.

وحين تفرغ الكلمات الكبيرة من مضمونها، تصبح المؤسسات مكشوفة وأضعف من أن تدافع عن نفسها أمام غضب الناس.

في نهاية مقاله، يوجه فريدمان نداءً للناخب كي يستحضر عقله، متناسياً أن الخطر لا يهبط فجأة يوم الاقتراع، بل ينمو بتؤدة داخل الفقر والتجاهل.

بدلاً من أن نسأل بأسلوب فوقي “كيف يصوت هؤلاء؟”، أليس الأجدر أن نسأل: “ما الذي فعلناه بهؤلاء الناس حتى أصبح هذا الخيار الصادم متنفسهم الوحيد؟”.

إن الديمقراطية لا تموت فجأة داخل غرفة الاقتراع، بل تموت يوماً بعد يوم حين تفقد روحها.

فالانتخابات قد تغير الوجوه، لكنها لن تطفئ وحدها حريقاً كان يلتهم أساسات البيت قبل أن يصل الناس إلى الصندوق.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top