الشرق الأوسط على رمال متحركة: حين تُحاصر الممرات رغيف الخبز

بقلم إلياس عيسى الياس

“تتمتع الرمال بفصاحة متكتمة، فهي تعيد رسم الخرائط دون استئذان، وتجرف العروش والحدود بينما ننشغل نحن بمراقبة الرياح.”
باولو كويلو (من كتاب “الزهير” – The Zahir)

لم يعد البحر في منطقتنا مجرد مياه تعبرها الناقلات محمّلة بالنفط والسلع، بل تحول، أمام أعيننا، إلى جبهة اشتباك تتقاطع فيها حسابات الطاقة بالدبلوماسية وسلاح الردع.

ندرك اليوم أن أزمات هذا الشرق لم تعد ملفات منفصلة، بل هي رمال متحركة تتداخل وتتحرك معًا؛ يتسرب أثرها من زوارق باب المندب ليصيب خيارات مجلس الأمن، قبل أن يحط ثقله المباشر على لقمة عيش المواطن العربي، وصولًا إلى محطات الوقود والمخابز في بيروت. فالرهان على القوة العسكرية أو الترقيع السياسي لن يوقف جرف هذه الرمال، بل سيعجّل في تساقط أوراق الاستقرار.

تبدأ حكاية هذا التحول من الشلل الملاحي الذي أطبق على شرايين التجارة؛ فقد أضحت السيطرة الميدانية الحوثية على الساحل اليمني—من المخا وذوباب إلى جزر ميون وحنيش وزُقر—واقعًا جديدًا يعيد رسم الملاحة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

ويضع هذا الواقع نحو 7% من إمدادات النفط العالمية تحت التهديد المباشر، بالتوازي مع التعطيل القائم في مضيق هرمز على خلفية المواجهة المحتدمة بين واشنطن وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

ولم يتوقف هذا الإرباك عند إجبار السفن على سلك مسارات طويلة ومكلفة حول رأس الرجاء الصالح، بل امتد ليتعقب الخطوط البديلة على البر؛ فجاء استهداف خط الأنابيب السعودي (شرق-غرب) بمسيّرة أُطلقت من العراق مؤخرًا، مرفوقًا بقصف طال مناطق في خميس مشيط وأبها، ليؤكد أن منافذ الحياة الإقليمية أصبحت مكشوفة أمنيًا.

وخلف هذه الأرقام والأسماء، تبدو التكلفة الإنسانية باهظة؛ إذ تسجل المنظمة الدولية للهجرة نزوح أكثر من 93 ألف يمني جراء التطورات الأخيرة، في تذكير دائم بأن الإنسان هو الحطب الأول لهذه المواجهات.

وهنا تحديدًا يتكشف جوهر التحول الجيوسياسي: اختلال معادلة الردع التقليدية.

لم يعد السؤال متعلقًا بحجم الترسانات الضخمة التي تملكها الدول، بل بقدرة جماعات مسلحة على شل حركة البحار بأسلحة زهيدة التكلفة؛ فالتمركز في جزيرة استراتيجية كـ “ميون” ونشر مدفعية ساحلية بمدى لا يتجاوز 17 كيلومترًا كفيلان بإغلاق مضيق ضيق يصعب تأمينه بمسارات عبور بديلة. هذا التطور يفضح هشاشة المنظومات الدفاعية الممتدة، ويُعجزها عن حماية شريان الحياة اليومية.

ونتيجة لهذا الاختلال الميداني، تدفع الأسواق الفاتورة على الفور؛ إذ قفزت أسعار خام برنت لتتجاوز 109 دولارات للبرميل، مما دفع إلى تحركات دبلوماسية متسارعة محاولةً احتواء التداعيات. وتتجلى هذه المحاولات في الدعوة لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي يوم أمس لبحث خطورة الوضع في باب المندب، إلى جانب الحراك الإقليمي الذي يجسده لقاء القاهرة بين السيسي ومحمد بن سلمان.

غير أن هذه الجهود التنسيقية تبدو في سباق يصعب كسبه مع موجات التضخم التي تداهم بيوت الناس، والضغوط الاقتصادية التي تخنق الدول العربية وتعطل إيرادات ممراتها الحيوية كقناة السويس.

وعلى وقع هذا الانكشاف البحري، تظهر هشاشة الحديث عن التهدئة؛ فقد جاء تأجيل محادثات مسقط بين إيران ودول الخليج قبيل ساعات من انطلاقها بسبب التحفظات الناجمة عن استهداف خطوط الطاقة ليؤكد عمق التوجس الإقليمي.

فالمشكلة الأساسية لا تكمن في صياغة البيانات الدبلوماسية، ولا في نفي طهران الرسمي صلتها المباشرة بهجمات حلفائها، بل في حالة عدم اليقين الأمني التي باتت تخيم على المنطقة برمتها.

وإذا كان البحر يكشف تصدع الردع الميداني، فإن التصعيد في الملف النووي ينقل المواجهة إلى مسار أكثر خطورة؛ إذ تُجمع التقديرات التحليلية والغربية على أن طهران تقف في موقع المحرك الرئيسي لهاتين الأزمتين عبر شبكة حلفائها ورسائلها المباشرة.

فبينما تتواصل التصريحات الرسمية المطمئنة بشأن الالتزام بالمعاهدات، ترتفع في الداخل الإيراني أصوات نيابية تلوح بالانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وتأتي إحالة هذا الملف مجددًا إلى مجلس الأمن لتفتح بابًا جديدًا من التجاذب الدولي المتوقف على توازنات الفيتو بين الغرب من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى.

غير أن قدرة إيران على إدارة هذه الأوراق الإقليمية تتأثر هي الأخرى بهشاشة داخلية لا تقل خطورة؛ فاقتصادها يعاني تحت ضغط التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية، وسط استقطاب سياسي وضغوط متزايدة، مما يظهر أن الهشاشة لا تقتصر على خطوط التجارة البحرية بل تمتد إلى البنية الاقتصادية للدول المحركة للصراع.

تستغل القوى الكبرى هذا الارتباك لإعادة ترتيب نفوذها؛ فتسعى الصين وروسيا إلى استثمار التوتر الملاحي لتعزيز حضورهما في مسارات الطاقة والتجارة من خلال تكتلات مثل “بريكس”، مساهمتَيْن في سحب البساط تدريجيًا من تحت أقدام المنظومة الغربية.

في المقابل، تشهد المظلة الأمنية التي قادتها واشنطن لعقود تراجعًا ملحوظًا؛ إذ يفضل الرئيس ترامب التمسك بالهدنة الثنائية مع الحوثيين لحماية القوات الأميركية وتفادي الانزلاق إلى معركة جديدة عشية انتخابات التجديد النصفي، رافضًا طلبات التدخل العسكري المباشر ومكتفيًا بتقديم الدعم الاستخباري لشركائه. هذا الانكفاء الذاتي يترك المجتمعات العربية الأكثر ضعفًا تتلقى الشظايا الاقتصادية بمفردها.

ومن هذه الحسابات الدولية المعقدة، نصل إلى الوجع المباشر الذي يمس الشارع العربي؛ فارتفاع كلفة الشحن وتعطل سلاسل الإمداد يترجمان فورًا في تفاصيل الحياة اليومية: غلاء في القوت، وارتفاع في فاتورة الدواء، وضغط معيشي متواصل.

وفي بلد مثل لبنان، المترنح أساسًا تحت أزمات مالية وانكشاف اقتصادي واعتماد كامل على الاستيراد، تتبدد الفوارق بين التحليل الجيوسياسي والواقع الميداني. فالارتفاع المباشر في جدول أسعار المحروقات الصادر أمس الثلاثاء في بيروت والذي قفزت فيه أسعار البنزين والمازوت بعشرات الآلاف هو أولى الشظايا التي تتطاير من سفن باب المندب لتصيب جيب المواطن اللبناني.

يثبت هذا المنحنى الصاعد أن أي اضطراب في ممرات الطاقة البعيدة يتحول في بيروت فورًا إلى كلفة إضافية ومباشرة، تجعل من التدفئة والحركة وتأمين القوت اليومي عبئًا ثقيلًا على كاهل مجتمع لم يعد يحتمل المزيد.

المشكلة في منطقتنا اليوم ليست في كثرة الملفات، بل في اشتباكها جميعًا ضمن شبكة واحدة؛ فالأمن الملاحي مرتبط بالنفط، والنفط يملي أسعار المحروقات في شوارع بيروت، والملف النووي مرتبط بالتوازنات الداخلية، وكلها تضغط في النهاية على أمن الإنسان العربي واستقراره.

إن الرهان على غلبة السلاح أو الحلول الترقيعية لن يوقف هذه الرمال المتحركة. وحين تتحول الممرات التي تطعم العالم إلى ساحات لتصفية الحسابات، فإن تلك الرمال لن تجرف عواصم القرار وحدها، بل ستسحب معها استقرار العالم، وتخنق أمن الإنسان في يومه وغده.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top