«أرضيتَ يا رب؟»: هل يبقى للضحية حقّ في أن تسأل « لماذا؟»

بقلم الياس عيسى الياس

في أحد المشاهد التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي من أروقة مطار بيروت الدولي، وتحت أضواء الصالة الباردة، بدا المشهد مثقلاً بدلالات تتجاوز لحظة مغادرة الجرحى لإكمال علاجهم.

نساء وفتيات متشحات بعباءات سوداء، وعلى أعين بعضهن ضمادات وعصابات حمراء طُبعت عليها شعارات طقسية، ويحملن حقائب سفر متشابهة، فيما يرتفع صوت من مكبر صغير: «أرضيتَ يا رب؟»، فتأتي الإجابة بصوت جماعي واحد: «خذ حتى ترضى».

يمر هذا المشهد البصري أمام الرأي العام وكأنه مجرد طقس تضامني عابر، لكنه في عمقه يطرح سؤالاً فلسفياً ووجدانياً شديد الحساسية: ماذا يحدث للإنسان عندما يتحول ألمه، وهو لا يزال يحاول استيعابه، من تجربة شخصية مثقلة بالوجع إلى خطاب جماعي يُطلب منه أن يرضى به، بل وأن يباركه؟

منذ تفجيرات أجهزة الاتصال في أيلول 2024، التي أوقعت عشرات القتلى وآلاف المصابين، بينهم من فقدوا أبصارهم أو أطرافهم، تُعاد صياغة المحنة في بعض السياقات بعيداً عن أثرها الإنساني المباشر. إن ما يحدث أعمق من مجرد الفقد المادي: أن يُسلب الإنسان حتى حقه الفطري في أن يحزن، أو أن يصرخ من الألم، أو أن يسأل ببساطة بينه وبين نفسه: «لماذا حدث هذا بنا؟».

ففي الخطاب التعبوي الذي يرافق بعض هذه المشاهد، يجري سحب العائلة والمصاب من واقعهم الأليم لتقديم الجرح أولاً وأخيراً بوصفه ابتلاءً واختباراً، وربما اصطفاءً في بعض الأدبيات الدينية، فتتراجع مساحة الحزن الإنساني لصالح إظهار التسليم التام.

حين يُعاد تقديم هذا الجرح بهذه الصيغة، يُثار سؤال آخر يتعلق بالمسؤولية؛ إذ قد يتحول الفشل الأمني والتكنولوجي في مثل هذا الخطاب إلى ما يشبه «القدر المحتوم»، مما يضيّق مساحة السؤال عن المسؤولية السياسية والتنظيمية وعن حماية المجتمع. ولا يعني تقديم هذا الابتلاء أن المسؤولية البشرية تختفي بالضرورة، بل يبدأ الخطر حين يصبح التفسير الديني بديلاً عن سؤال المسؤولية لا مساحة موازية له.

ولستُ هنا بمعرض الاعتراض على حق الإنسان في أن يجد في إيمانه عزاءً أمام الجرح، ولا على حق العائلة في أن ترى في ألمها معنى روحياً يساعدها على تحمل الوجع. فالإنسان قد يلجأ إلى العقيدة ليجد في الصبر والرضا ما يعينه على البقاء، وليس لأحد أن ينتزع منه هذا المعنى.

فالتعزية شيء، والتلقين شيء آخر؛ أن تساعد الإنسان على احتمال ألمه شيء، وأن تحدد له مسبقاً كيف يجب أن يشعر تجاهه شيء آخر. المشكلة تبدأ حين ينتقل هذا المعنى من مساحة الإيمان الشخصي الحر إلى مساحة الإلزام الجماعي، وحين يصبح الرضا مطلوباً قبل أن يُسمح للسؤال الفطري بأن يولد.

غير أن أثر هذا النمط من التأطير لا يقف عند حدود إغلاق سؤال المسؤولية السياسية، بل يمتد ليمارس ضغطاً نفسياً ورمزياً غير مرئي على المجتمع المحيط بالمصابين وعائلاتهم. يصبح المطلوب من الأب الذي فقد بصره، ومن الأم التي ترى ابنها وقد فقد يديه، أن يظهرا أمام الكاميرات متماسكين. أن يرددا الشعارات. أن يحوّلا الألم الفردي الخاص إلى موقف سياسي عام.

وكأن الحزن الطبيعي خيانة للجماعة، وكأن الانكسار نقص في الإيمان. هذا التشكيل النفسي جعل التضحية واجباً اجتماعيّاً ثقيلاً يتقدم على حق الفرد في أن يعيش حياته، وأن يحلم بمستقبله، وأن يحافظ على كرامته الإنسانية.

وهي ظاهرة لا تقتصر على الحالة اللبنانية، بل تتكرر في تجارب مجتمعات عديدة خضعت لخطابات التعبئة الأيديولوجية في أوقات الحروب والأزمات الكبرى؛ حيث يجري اختزال الكائن البشري وسلب مشاعره الخاصة لصالح السردية الكبرى للجماعة.

وحين يصبح خطاب التضحية جزءاً من بنية سياسية وعسكرية، يتجاوز الأمر حدود المشاعر الفردية. ففي الحالة اللبنانية، يكتسب هذا السؤال حساسية مضاعفة في ظل علاقة حزب الله السياسية والعقائدية والاستراتيجية بإيران والحرس الثوري الإيراني؛ إذ يندمج سؤال المسؤولية المحلية بأسئلة أوسع حول حسابات القوة الإقليمية.

وهنا يبرز التساؤل الجوهري: هل يتحول الإنسان المكلوم، وتُسلب إرادته الفردية، ليكون مجرد كلفة مقبولة في أوراق التفاوض وأجندات الصراع الممتد؟

لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان للإنسان الحق في أن يجد معنى في ألمه؛ فهذا حق أصيل لا ينازعه فيه أحد. السؤال هو: هل يحق لأحد أن يقرر للإنسان مسبقاً كيف يجب أن ينظر إلى ألمه؟

إن المشكلة لا تبدأ حين يقول الإنسان المكلوم من أعماق قلبه: «رضيتُ»، بل تبدأ حين يصبح المطلوب منه أن يقولها قبل أن يُسمح له بأن يسأل: «لماذا؟».

فالضحية، في لحظة انكسارها وفقدها، لا تحتاج إلى من يعلّمها كيف تبتسم أمام جرحها أو كيف تبارك ألمها، بل تحتاج إلى من يترك لها مساحتها الطبيعية في البكاء، والغضب، والبحث عن الحقيقة. قد تجد الضحية بعد ذلك في إيمانها معنى للنجاة، وقد لا تجده، لكن المعنى يجب أن يكون اختياراً حرّاً وإنسانياً لها.

فمن حق الإنسان أن يقول: «رضيتُ»، لكن من حقه أيضاً، وقبل كل شيء، أن يقول: «لماذا حدث هذا؟»؛ ففي المسافة بين الكلمتين، «رضيتُ» و«لماذا»، تكمن كرامة الإنسان أمام مأساته.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top