الشرق الأوسط الجديد (١٢)الصراع السني الشيعي خارج التاريخ

بقلم د. نواف كبارة

لم يأتِ صعود الإسلام السياسي، السني والشيعي، من فراغ، ولم يكن مجرد عودة مفاجئة إلى الدين بعد مرحلة من الحداثة. فقد نشأ الإسلام السياسي السني الحديث في سياق تاريخي ارتبط بأزمة الدولة والمجتمع العربيين، والاستعمار، والصراع حول الهوية، ثم قضية فلسطين. وبعد ذلك جاءت الثورة الإيرانية عام 1979 والاجتياح السوفيتي لأفغانستان في العام نفسه ليشكلا منعطفاً جديداً في تاريخ الحركات الإسلامية، ويفتحا الباب أمام مرحلة أصبح فيها الدين السياسي قوة عابرة للحدود.
ومع الثورة الإيرانية اكتسب الإسلام السياسي الشيعي نموذج دولة استطاعت أن تحول العقيدة الدينية إلى مشروع سياسي وإقليمي. وفي المقابل، ساهمت الحرب الأفغانية في صعود التيارات الجهادية السنية العابرة للدول. ومنذ ذلك الحين لم يعد التنافس السني الشيعي مجرد خلاف لاهوتي حول التاريخ الإسلامي، بل تداخل مع صراع الدول على النفوذ والأمن والموارد والسلطة في المنطقة.

ومن هنا فإن اختزال الصراع القائم اليوم في خلاف ديني عمره أربعة عشر قرناً سيكون خطأً. فالسنة والشيعة عاشوا طويلاً جنباً إلى جنب، بينما اشتدت النزاعات الطائفية في مراحل محددة عندما تحولت الهوية المذهبية إلى أداة في الصراع السياسي. وفي العقود الأخيرة امتزج الخلاف المذهبي بالتنافس الإقليمي وبالصراعات في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها.
لكن المشكلة الأعمق ليست في وجود الاختلاف بين السنة والشيعة. فالاختلاف الديني والمذهبي موجود في معظم الحضارات. المشكلة هي الموقع الذي يحتله هذا الاختلاف في إنتاج الفكر والسياسة وتحديد أولويات المجتمع.
هنا تظهر المفارقة الكبرى.
بينما يناقش العالم اليوم حدود الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والهندسة الجينية، والفضاء، ومستقبل العمل، وإطالة العمر البشري، ومصادر الطاقة الجديدة، والعلاقة المقبلة بين الإنسان والآلة، ما زال جزء مهم من المجال الفكري والسياسي في منطقتنا مستنزفاً في أسئلة تعود إلى القرون الأولى للإسلام: من كان الأحق بالخلافة بعد وفاة الرسول؟ ما مدى صحة هذا الحديث أو ذاك؟ ما حدود السنة النبوية؟ من يمثل الإسلام الصحيح؟ ومن خرج عنه؟
هذه أسئلة لها أهميتها بالنسبة إلى المؤرخ وعالم الدين والمؤمن، ولكن المشكلة تبدأ عندما تتحول من موضوع للبحث التاريخي والعقائدي إلى محور لتنظيم الدولة والمجتمع والسياسة في القرن الحادي والعشرين.
فلا موقف الإنسان من أحداث وقعت قبل أربعة عشر قرناً سيحدد موقع العرب في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، ولا الخلاف حول روايات التاريخ سيصنع صناعة للرقائق الإلكترونية، ولا الانتصار المذهبي سيبني جامعة بحثية قادرة على المنافسة، ولا تكفير الآخر سيخلق دواءً جديداً أو قمراً صناعياً أو اقتصاداً معرفياً.
العالم لا ينتظرنا كي نحسم خلافاتنا التاريخية.
هل يجب أن نحسم الماضي لكي نصنع المستقبل؟
وهنا نصل إلى السؤال الأصعب: هل يستطيع فكر عربي جديد أن ينطلق نحو المستقبل من دون حسم الخلافات الدينية والتاريخية التي استهلكت المنطقة؟

ربما تكمن الإجابة في تغيير السؤال نفسه.
فليس المطلوب أن يحسم السنة والشيعة بعد أربعة عشر قرناً من كان على حق في كل تفاصيل الصراع على السلطة بعد وفاة الرسول. وقد يكون الوصول إلى رواية تاريخية واحدة أمراً مستحيلاً أصلاً. المطلوب هو أن نتفق على أن الخلاف حول الماضي لا ينبغي أن يحدد حقوق الإنسان في الحاضر ولا شكل الدولة في المستقبل.
عرفت أوروبا صراعات دينية ومذهبية دامية بين الكاثوليك والبروتستانت وغيرهم. ولم تنتهِ هذه الصراعات لأن فريقاً أثبت بصورة نهائية أنه يملك الحقيقة الدينية، بل لأن تطور الدولة الحديثة والعلم والفلسفة ومفهوم المواطنة نقل تنظيم المجتمع تدريجياً إلى مجال آخر.
لم يعد ضرورياً أن يتفق المواطنان على تفسير الكتاب المقدس لكي يتمتعا بالحقوق نفسها أمام القانون.
وهذه هي النقلة التي لم تكتمل بعد في العالم العربي.
من صراع الحقيقة إلى دولة المواطنة
المشكلة، إذن، ليست في الإسلام ولا في التدين ولا في وجود المؤسسات الدينية. المشكلة تبدأ عندما تتحول الحقيقة الدينية التي يؤمن بها الفرد إلى أساس لتحديد حقوق الآخرين وموقعهم في الدولة.
فالدولة الحديثة لا تستطيع أن تسأل المواطن عن موقفه من الخلافة الأولى لكي تحدد حقوقه السياسية. ولا يمكن أن تحدد حق المرأة في المساواة على أساس قراءة اجتماعية نشأت قبل قرون. ولا يمكن أن يكون الاختلاف الديني أو المذهبي أساساً لتوزيع السلطة أو لتحديد من يحق له المشاركة في صنع القرار.
هنا يصبح الانتقال ضرورياً من دولة الجماعات والعقائد إلى دولة المواطن.
المؤسسات الدينية السنية والشيعية تستطيع أن تستمر في أداء دورها الروحي والثقافي والتعليمي، ولكن إعادة بناء العالم العربي تتطلب تحرير المجال السياسي من الصراع على امتلاك الحقيقة الدينية وهذا عمليا يعني علمنة الدولة.
وهذا لا يعني إلغاء الدين من المجتمع، بل على العكس، قد يكون تحرير الدين من الصراع على السلطة حماية له من أن يتحول إلى أداة تستخدمها الدول والأحزاب والجماعات في معاركها.

إعادة قراءة التراث

هناك اليوم مفكرون مسلمون، سنة وشيعة، يحاولون إعادة قراءة القرآن والتراث والتاريخ الإسلامي بأدوات معرفية معاصرة، لكن تأثير هذه المحاولات ما زال محدوداً مقارنة بحجم المؤسسات التقليدية وقدرتها على إنتاج الخطاب الديني ونشره.
كما أن بعض الدول العربية تحاول دفع مجتمعاتها نحو الحداثة الاقتصادية والاجتماعية وتقليص هيمنة بعض أشكال الخطاب الديني على المجال العام. لكن تحديث المدن والبنى التحتية والاقتصاد لا يكفي إذا بقي العقل السياسي والثقافي يعمل ضمن أسئلة الماضي.
فالحداثة ليست ناطحات سحاب وسيارات كهربائية وهواتف ذكية فقط.
الحداثة في جوهرها طريقة في إنتاج المعرفة وفي فهم الإنسان وحقوقه وعلاقته بالدولة والمجتمع.

نقل مركز إنتاج الفكر

ولهذا فإن أحد أهم شروط الشرق الأوسط الجديد هو انتقال مركز إنتاج الخطاب المجتمعي والثقافي تدريجياً من المؤسسات التي تحتكر تفسير الماضي إلى الجامعات ومراكز الأبحاث والمختبرات والمؤسسات العلمية والفكرية.
فالأسئلة التي ستحدد مصير مجتمعاتنا خلال العقود المقبلة لن تكون فقط أسئلة الفقه والعقيدة، بل أسئلة الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والاقتصاد الرقمي والطاقة والمناخ والفضاء ومستقبل العمل وطبيعة الإنسان نفسه.
وإذا بقيت مجتمعاتنا تستهلك التكنولوجيا التي ينتجها الآخرون بينما تستثمر أفضل طاقاتها الفكرية في إعادة إنتاج صراعات التاريخ، فسوف تتسع الفجوة بينها وبين العالم بصورة قد يصبح تعويضها مستحيلاً.
الدين للمؤمن، والدولة للمواطن، والمستقبل للمعرفة..

لا يحتاج الشرق الأوسط الجديد إلى إلغاء الإسلام السني أو الشيعي، ولا إلى الانتصار العقائدي لأحدهما على الآخر. يحتاج إلى إعادة وضعهما في مكانهما الطبيعي: فضاء الإيمان والثقافة والهوية والتجربة الروحية للإنسان، لا ساحة للحروب الجيوسياسية والصراع على الدولة.
أما الدولة فعليها أن تنتمي إلى جميع مواطنيها بالتساوي، وأن تقوم شرعيتها على المواطنة والمشاركة والحقوق والحريات وسيادة القانون.
ويبقى المستقبل للمعرفة.
فالعالم يدخل مرحلة قد يعيد فيها الذكاء الاصطناعي تعريف الإنسان والعمل والاقتصاد والقوة وربما الحياة نفسها. وإذا كان السؤال الذي يشغل مراكز الأبحاث الكبرى هو: ما مستقبل الإنسان في عصر الآلة الأكثر ذكاءً؟ بينما يبقى سؤالنا المركزي: من كان الأحق بالحكم قبل أربعة عشر قرناً؟ فإن المشكلة لن تكون أننا خسرنا نقاشاً فكرياً.
المشكلة أننا قد نكتشف، بعد فوات الأوان، أن العالم انتقل إلى عصر جديد بينما بقينا نحن نتقاتل على أبواب التاريخ.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top