عامان على رحيل حسن نصر الله: ماذا بقي من الرجل… وماذا بقي من المشروع؟

بقلم الياس عيسى الياس

في أيلول/سبتمبر من عام 1997، سقط هادي نصر الله، ابن السبعة عشر عاماً، في مواجهة ميدانية بجنوب لبنان.

في ذلك اليوم، لم يخرج نصر الله كقائد مكسور، بل ألقى خطاباً ثبت في ذاكرة الكثيرين حين قال بصلابة: «أشكر الله على هذه النعمة الجليلة، أن تلطف ونظر إلى عائلتي نظرته الكريمة، فاختار منها شهيداً… ونحن لا نخبئ أولادنا للمستقبل، بل نذهب بهم إلى الخطوط الأمامية».

لاحقاً، وبصراحة إنسانية لافتة، قال حسن نصر الله عن ذلك اليوم: «في نهاية المطاف أنا أب ومن الطبيعي أن أبكي وأتأثر… ولكن نحن نعتبر أن الموقف والكلمة والدمعة والابتسامة ورباطة الجأش جزء من المعركة».

هنا تحديداً بدأت الحكاية التي لمست مشاعر الناس؛ لم تكن الصورة مجرد خبر صحافي، بل بداية لبناء حضور رمزي نادر لعبت فيه العاطفة والتضامن الشعبي الدور الأكبر، قبل أن تصبح الكلمة والدمعة والابتسامة أدوات أصلية في إدارة الحرب النفسية وصناعة الردع.

عشتُ كغيري من اللبنانيين والعرب تلك السنوات التي تلت تحرير الجنوب عام 2000 ثم حرب تموز 2006.

كانت صوره تُعلّق في البيوت والمتاجر، ونبرته وهي تبث الأمل تحرك عواطف ملايين البشر من مختلف الأطياف، معطيةً إحساساً بالنصر والكبرياء لشارع عربي أضناه الشعور بالهزيمة.

لكن هذه الصورة الجامعة، التي سكنت الذاكرة الجمعية لسنوات، بدأت تتغير تدريجياً في المزاج الشعبي.

ومع اتساع دور الحزب خارج الحدود، شعر الكثيرون بأن المقاومة التي عرفوها في قراهم وبيوتهم بالجنوب أصبحت جزءاً من مشروع إقليمي أكبر بكثير من حدود الوطن الصغير.

وفي غمرة هذا التحول، لم يعد الحديث عن سلاح الحزب وقراره مجرد تحليل سياسي باهت، بل صار يلامس تفاصيل حياتنا اليومية ويقلق عائلاتنا.

فحين أعلن نصر الله بصراحة: «موازنة حزب الله وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه هي من الجمهورية الإسلامية في إيران…»، ترك هذا الكلام أثراً عميقاً في النفوس.

إذ فتح الباب أمام تساؤل إنساني بسيط ومؤلم: كيف يمكن لحزب يشاركنا الرغيف والبرلمان والحكومة، أن تكون أسباب وجوده ومرجعيته النهائية خارج حدود هذه الأرض؟

ولم يلبث هذا القلق أن تحول إلى واقع عشنا مرارته في شوارعنا. رأينا هذا السلاح ينكفئ إلى الداخل في محطات أمنية قاسية، من أحداث أيار 2008 المسلحة التي وصفها نصر الله بـ«اليوم المجيد»، إلى أحداث الطيونة عام 2021.

ولم تتوقف القسوة عند حدود الشارع، بل لمسنا أثرها في تعطيل المسارات المؤسساتية والقضائية؛ حين رفض الحزب التعاطي مع المحكمة الخاصة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ثم في المواجهة الحادة مع تحقيق انفجار مرفأ بيروت عام 2020، وهو الجرح النازف في قلب كل بيت لبناني.

وحين خرج نصر الله ليقول إن الحزب يضم «100 ألف مقاتل»، لم يقرأ الناس هذا الرقم بلغة الإحصاء، بل بلغة الخوف على المستقبل وتوازنات البلد.

ثم جاءت الحرب في سوريا عام 2011، ليجد الحزب نفسه بعد سنتين، وتحديداً في عام 2013، طرفاً عسكرياً مباشراً فيها.

كان من الصعب على الكثيرين ممن أحبوا نصر الله أن يستوعبوا كيف يتحول الحزب من مواجهة الاحتلال الإسرائيلي إلى القتال على أراضٍ عربية.

وحين قال حينها: «سوريا هي ظهر المقاومة، والمقاومة لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي وظهرها يُكسر»، بدا واضحاً أن بوصلة المعركة قد تغيرت.

لم تعد القضية حماية القرى والحدود اللبنانية، بل أصبحت حماية نظام وحلف إقليمي، مما عمّق الانقسام بين أبناء البلد الواحد وأضعف حالة التضامن العربي التي أحاطت بالحزب لسنوات.

ومع انطلاق «جبهة الإسناد» لغزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وجد اللبنانيون أنفسهم مرة أخرى داخل حرب لم تختارها دولتهم أو مؤسساتها الدستورية.

وعاش الناس من جديد خوف النزوح والموت، ودفعوا كلفاً باهظة فوق أزماتهم المالية والمعيشية الخانقة، في وقت ازدادت فيه عزلة لبنان العربية والدولية وتوقفت خطط الدعم والمساعدات المشروطة برهان الاستقرار والسيادة.

اليوم، وبعد عامين على الغارة الإسرائيلية التي أودت بحياة حسن نصر الله في أيلول/سبتمبر 2024، ومقتل هاشم صفي الدين من بعده، يقف اللبنانيون ومعهم جمهور الحزب أمام محطة تأمل إنسانية فارقة.

فجمهور الحزب نفسه، الذي أطاح النزوح ببيوته وقراه وشرّدت الحرب عائلاته، يقف اليوم بين وفائه لإرث المقاومة والوجدان وبين وطأة التضحيات الهائلة ومأزق الخسارات التنفيذية والميدانية.

غاب «الرجل» بطلته ونبرته والكاريزما التي ملأت الشاشات لعقود، وبقي «المشروع» يواجه أيامه الأكثر صعوبة.

ومع انتقال القيادة إلى الشيخ نعيم قاسم، لم يعد الخطاب يدور حول التهديد والتفوق، بل صار يحاول طمأنة البيئة والداخل على الصمود والبقاء.

حين ألتفتُ اليوم إلى السنين الماضية، أدرك أن السؤال لم يعد يتعلق بشخص حسن نصر الله ولا بقدرات حزبه، بل بنا نحن والبلد الذي نعيش فيه.

تشهد تجربة العقود الثلاثة الماضية على أن القوة وحمل السلاح والارتباطات الإقليمية قد تمنح حركة ما لحظات نفوذ واستثناء غير مسبوقة، لكنها تبقي سؤال الاستقرار معلقاً.

وفي النهاية، يبقى السؤال البسيط الذي يتردد في أذهان الجميع: هل نترك قدرنا وقرار سلمنا وحربنا معلقاً في يد المحاور والبنادق، أم نعود جميعاً إلى مظلة دولة واحدة تجمعنا، وتحمينا، وتملك وحدها قرارنا وسلاحنا؟

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top