فضائح البعيدين وسكوتنا عن القريبين

بقلم الياس عيسى الياس

كثيراً ما نعلّق عيوبنا على شماعة بعيدة عنا. نتابع بشغف فصول قضية «إبستين»، تلك الفضيحة التي كشفت شبكات النفوذ والمال في الغرب، ونخوض في جلساتنا سجالات حامية حول سقوط القيم لدى النخب خلف البحار.

نوجّه غضبنا نحو أسماء نافذين دوليين، ونخرج من نقاشاتنا بشعور مريح؛ فالصراخ احتجاجاً على تجاوزات البعيدين يمنحنا إحساساً بالاستقامة الأخلاقية، ويستر صمتنا عما يقع تحت أنظارنا.

إن الفضيحة البعيدة تُستهلك اليوم بوصفها فرجة آمنة، تجعل المحاسبة مجرد استعراض لا يكلفنا شيئاً. وحيث تُستهلك الفضيحة ترفيهاً، يزدهر إعلام استعراضي يبيعها، فيتحول من منبر للتنوير وكشف الحقائق إلى حلبة لتصفية الحسابات وإهانة الأشخاص.

ثمة فرق شاسع بين صحافة جادة لا تهاب القسوة وتكشف تجاوزات السلطة بالوثائق، وبين منابر تستعيض عن التحقيق الشاق بالتجريح؛ فتقتات على الإثارة السريعة، وتمنح المتابع انطباعاً كاذباً بأنه يشارك في إقامة العدالة، بينما هو لا يفعل سوى استهلاك التشهير والتلذذ بإذلال الآخرين.

وهنا يظهر الوجه الآخر للآفة ذاتها: فنحن نطالب بعدالة صارمة بحق البعيدين عبر الشاشات، وكأننا نكفّر بها عن سكوتنا عن القريبين في واقعنا.

إن المسافة هي ما يجعل ادعاء الأخلاق أمراً سهلاً؛ فما أسهل أن ندين انتهاكاً لا يهدد أمننا ولا يقطع رزقنا!

لكن أخلاقنا الحقيقية لا تُختبر أمام الشاشات، بل في اللحظة التي يصبح فيها التعدي على بعد خطوات منا، وحين يكون مرتكبه شخصاً نعرفه، أو تربطنا به مصلحة، أو نخشى سلطته.

كم نتغاضى عن مسؤول يتجاوز صلاحياته، أو عن سياسي يتبنى الخطاب الطائفي الفج، لمجرد أنه يقدم لنا وساطة أو ينجز لنا معاملة حكومية، أو لأنه ينتمي إلى بيئتنا وحارتنا!

أتأمل هذا التناقض الداخلي، فأرى أنه يمرّ بثلاث مراحل نعيشها بالتدريج: الخوف، ثم المنفعة، ثم الاعتياد.

نصمت أولاً خوفاً من كلفة المواجهة، وهو موقف إنساني أفهمه من مواطن مثقل بأعبائه المعيشية. لكن الصمت طمعاً بالمنفعة لا يلبث أن يحلّ محل الخوف؛ فنغضّ الطرف عن خطأ النافذ كي نضمن خدمته في المرة القادمة.

وهنا يتسلل الاعتياد، فيصير الصمت مألوفاً، وتترسخ فينا قناعة قاسية بأن القانون يُطبَّق على الضعفاء ويتراخى أمام الأقوياء.

وحين يعتاد المجتمع السكوت، يصبح تعطيل العدالة أمراً يمر دون كلفة سياسية أو شعبية.

فنغدو أدرى بتفاصيل قضية بعيدة خلف البحار مما نعرفه عن تحقيق محلي يمسّ حياتنا ومستقبلنا. وما ملف انفجار مرفأ بيروت إلا شاهد على ذلك: تعثّر مساره، وخبا الغضب الشعبي تدريجياً، وحلّ الاعتياد محله.

وأعترف هنا أنني، وأنا أكتب، كثيراً ما اكتفيت بمرارة الملاحظة وصياغة الخيبات في نصوص، بدلاً من أن أحوّل الكلمة إلى موقف حقيقي: أن أسمّي التعدي باسمه حين يقع من قريب، وألا أرجئ غضبي إلى فضائح البعيدين.

أعلم جيداً أن مسؤولية الناس العاديين لا تتساوى مع مسؤولية من ارتكب الانتهاك أصلاً، وأن هذا الواقع لم نصنعه جميعاً بالقدر نفسه، لكننا نساهم في بقائه حين نختار اللامبالاة.

إن رفض الصمت لا يتطلب بطولات تعرّض الأرزاق للخطر، بل يبدأ من مواقف ملموسة:

أن نتوقف عن التصفيق للسياسي الفج في مجالسنا، وأن نرفض المجاملة والتغاضي عن تجاوزات النافذ لمجرد أنه قدم لنا خدمة، وأن نقاطع الإعلام الذي يستعيض عن كشف الحقيقة بالتشهير، وألا نسكت عن تعطيل العدالة حتى لو كان المعطِّل ممّن نحب أو نوالي.

إن الفضيحة ليست هناك خلف البحار، بل في المرآة التي تضعنا أمام أنفسنا؛ المرآة التي لا تعكس وجه المتجاوز وحده، بل تكشف أيضاً كم اعتدنا الصمت وقَبِلنا التعايش مع ما لا يُقبل.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top