بعد 7 أكتوبر: وهم السيطرة وفخ التدهور التدريجي


 
بقلم الياس عيسى الياس

تقف خيمة بلاستيكية في جباليا أمام برد الشتاء الآتي، وخلفها جيش يترسخ عند خط انتشار عسكري يُعرف بـ “الخط الأصفر”، يقتطع مساحات واسعة من قطاع غزة.
 
بين الخيمة والخط، تتشكل ملامح المرحلة: لا زلزال خاطف يغير المشهد، بل خسارة تتسلل على مهل كالعتمة.
 
تبدأ القصة بذريعة صغيرة، بتنازل يسير يُقنعنا القلق بأنه الضرورة، وباقتراب حذر من حافة خطرة نتوهم أننا ما زلنا نملك زمامها.
 
وهنا يتشكل “وهم السيطرة”؛ ذلك الاعتقاد الخادع بأن القوة العسكرية والمناورات التكتيكية قادرة بمفردها على إدارة صراع ممتد دون دفع أثمان استراتيجية.
 
هذا الوهم هو بالضبط ما يدفع الأطراف إلى “فخ التدهور التدريجي”؛ حيث تتراكم القرارات الصغيرة والتكيفات اليومية لتبني واقعاً مكبلاً يمنع الخروج من الوهم ذاته.
 
رويداً رويداً تحل الألفة محل الخوف؛ فيُعاد تعريف القهر بوصفه صموداً، والتأجيل بوصفه حكمة، والتعايش مع الأمر الواقع بوصفه طمأنينة.
 
يتجلى هذا المسار بوضوح في المشهد الإسرائيلي. فبعد ثلاثة أعوام على أحداث 7 أكتوبر 2023، يجد المجتمع هناك نفسه عاجزاً عن التحرر من صدمته، عالقاً في صباح ذلك اليوم الممتد.
 
وعلى الرغم من الهدوء النسبي الذي أعقب وقف إطلاق النار وتراجع ملف الرهائن، لم يعد الأمن يعني التسوية، بل أصبحت السيطرة العسكرية الدائمة هي الخيار المتاح.
 
ويتمركز الجيش الإسرائيلي اليوم عند هذا الخط، مكرساً واقعاً يذكّر بنموذج السيطرة العسكرية الدائمة في الضفة الغربية.
 
يرى البعض أن هذا الانتشار يحقق مكاسب ميدانية وشريطاً أمنياً، لكن القوة العسكرية – مهما بلغت – لا تصنع أمناً مستداماً، ويبدو أن الشعور بالأمان الداخلي لدى الجمهور الإسرائيلي لم يستعد عافيته رغم سنوات التعبئة العسكرية المستمرة.
 
تظهر أزمة هذا النهج بالعودة إلى حرب 1973؛ يومها قادت صدمة الإخفاق العسكري إلى تشكيل لجنة “أغرانات” للمحاسبة واستقالة حكومة غولدامائير، مما فتح الباب أمام المسارات السياسية اللاحقة.
 
أما اليوم، فيتحول التواجد العسكري إلى غاية بحد ذاتها، وترافق ذلك مع استمرار رفض تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة والهروب من المساءلة.
 
والنتيجة هي ارتهان القرار السياسي للحسابات الانتخابية، وإغفال الحقيقة القائلة إن الأمن المستدام لن يتحقق دون مسار موثوق يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
 
وفي غياب هذا المسار، أضحت مفاوضات الهدنة وإعادة الإعمار جثة هامدة على الطاولة لا يريد أحد تحمل تهمة قتلها.
 
وفي مقابل الوهم الإسرائيلي بحسم الصراع بالقوة، وقعت الفصائل الفلسطينية في الفخ ذاته عبر الخلط بين القدرة على الصمود الميداني والتخطيط الاستراتيجي الشامل.
 
فقد راهنت حركة حماس على هجوم 7 أكتوبر بكلفته الإنسانية والسياسية الباهظة دون أفق سياسي يحمي النازحين من الشتاء والنزوح المتكرر.
 
ينعكس هذا العجز الميداني على الناس والعائلات التي تدفع الثمن الأكبر.
 
ففي الضفة الغربية، أدت العمليات العسكرية ونزوح سكان مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس إلى تغيير في سلم الأولويات؛ إذ أصبحت العودة وتأمين القوت مقدمين على الانتماءات الحزبية.
 
وتؤكد استطلاعات الرأي الصادرة عن “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية” في أغسطس 2026 هذا التحول؛ إذ هبطت الثقة بالفصائل إلى أدنى مستوياتها، وأعرب نحو 60% من المستطلعين عن اعتقادهم بأنه لا يوجد منتصر في هذه الحرب.
 
أما في لبنان، فيأخذ فخ التدهور مساراً أكثر صمتاً وتدريجياً.
 
بدأ هذا التحول بقرار حزب الله فتح جبهة الإسناد في 8 أكتوبر؛ وهو الرهان الذي جلب كلفة باهظة دون أن ينجح في لجم العدوان.
 
وأدى تآكل قدرة الردع لاحقاً إلى جعل الخروقات الإسرائيلية، واحتلال نقاط حدودية جديدة، وتفريغ القرى من أهلها، أمراً بلا كلفة تُذكر على الاحتلال، يتكيف معه الشارع ظاهرياً كخبر عادي في شريط الأخبار.
 
لم تكن الضربات القاصمة المتتالية – من اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله إلى فقدان ممر الإمداد البري عبر سوريا – سبباً في الاعتياد، بل كانت اللحظة التي كشفت حدود فائض القوة.
 
وضع هذا الانكشاف المجتمع اللبناني أمام واقع ملموس: القرى الجنوبية تقع تحت تثبيت أمني مباشر، والتداخل الإقليمي يزداد ثقلاً، والدولة واقفة في موقع المتفرج.
 
هذا الاعتياد اليومي في لبنان ليس قبولاً شعبياً بالواقع، بل هو اعتياد قسري ناجم عن عجز أمام قرار حزب الله الأمني المعزول عن مؤسسات الدولة.
 
ومن هنا، لم تعد المطالبة بحصر السلاح والقرار السيادي بيد الجيش اللبناني، وتطبيق القرار 1701، مجرد شعار سياسي منافس، بل أصبحت شرطاً لا بديل عنه لمنع تحويل الجنوب إلى منطقة أمنية مفتوحة.
 
إن الخروج من هذا الفخ لا يتأتى بالانتظار، بل بمغادرة وهم التحكم بالأزمات والانتقال إلى حلها؛ بدءاً من إطلاق مبادرة سياسية ملزمة تنهي الاحتلال وتضمن الحقوق الفلسطينية وفق جدول زمني محدد، مروراً بتجديد التمثيل الوطني الفلسطيني وإخضاع القرارات العسكرية للمحاسبة الرسمية، وصولاً في لبنان إلى حصر السلاح والقرار السيادي بيد الدولة ومؤسساتها الرسمية.
 
فالخطر الحقيقي لا يبدأ لحظة السقوط، بل حين نعتاد الوقوف على الحافة ونقنع أنفسنا بأننا بخير لأننا لم نسقط بعد.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top