
بقلم الياس عيسى الياس
في لبنان، يمكنك أن تجلس على كرسي الوزارة، تصدر القرارات ضمن صلاحياتك الإدارية، وتتمتع بموقعك ومسؤوليتك الرسمية، ثم تعلن بكل هدوء: «أنا معتكف»… كأنك في السلطة وخارجها في آن: مسؤول حين تمارس صلاحياتك الفردية، ومعارض حين يصبح القرار الحكومي المشترك موضع اعتراض.
والنقاش هنا ينصبّ على الممارسة السياسية وتداعياتها لا على الأشخاص أو الأفرقاء.
والمفارقة اليوم ليست افتراضية؛ ففي 6 تشرين الأول 2026، أعلن وزير الطاقة والمياه جو الصدّي امتناعه عن حضور جلسات مجلس الوزراء.
وجاءت خطوته احتجاجاً على تأخر صرف مستحقات إدارية ومالية عائدة لمؤسسة كهرباء لبنان لدى إدارات الدولة ومؤسساتها، إذ تتراوح التقديرات الصحفية والرسمية لقيمتها بين 217 و280 مليون دولار كان مجلس الوزراء قد أقرّ الشروع في تسديدها.
وتكتمل الصورة بحجة الوزير نفسه؛ إذ يرى في الاعتكاف أداة ضغط لحث المراجع المعنية على تنفيذ القرارات السابقة، خصوصاً بعد إشارته إلى أنه طالب بالسداد داخل الجلسات خلال الأشهر الماضية دون جدوى، مؤكداً في الوقت نفسه استمراره في تولي مهامه الإدارية اليومية وعدم استقالته من الحكومة.
وهنا يبرز التناقض الأساسي في منطق الاعتكاف: فمن يضغط على إدارات الدولة بمقاطعة مجلس الوزراء يتخلّى بيده عن المنبر الدستوري الجامع الذي يستطيع من خلاله عرض الملف، ومساءلة الجهات المعنية، ومطالبة رئيس الحكومة، الذي يتولى إعداد جدول الأعمال وفق المادة 64، بإدراج متابعة التنفيذ كبند أول فيه.
أما القول بأن المطالبة داخل الجلسات استُنفدت، فلا يلغي أن رفع الصوت علناً ومخاطبة الرأي العام يظلان ممكنين أثناء الحضور وممارسة الصلاحيات.
وحين ينسدّ أفق الحل، يقتضي المسار المؤسساتي تسجيل التحفظ الرسمي في المحاضر أو اتخاذ موقف حاسم بالاستقالة، لا اللجوء إلى المقاطعة.
ورغم رسوخ الاعتكاف تقليداً في حياتنا السياسية، فلا أساس له في الدستور اللبناني؛ إذ يُنيط الدستور السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء في المادة 17، ولا يعرف موقعاً وسطاً يتيح للمسؤول أن يكون في الحكومة حين يوافق على القرار ومعتكفاً عنها حين يعترض عليه.
كما تفرّق المادة 66 بين المسؤولية الفردية للوزراء عن أفعالهم الشخصية ومسؤوليتهم الجماعية عن سياسة الحكومة العامة أمام مجلس النواب، وهي المسؤولية التي تُعرف في الفقه الدستوري بالمسؤولية التضامنية؛ أي أن الوزير المعتكف يبقى مسؤولاً سياسياً عن قرارات الحكومة وسياساتها طالما أنه لم يقدّم استقالته الرسمية.
وقد يكون الوزير محقاً في اعتراضه وفي تنبيهه إلى أزمة قطاع الكهرباء؛ فصحة المطالب شيء، وصحة الوسيلة المُتّبعة لتحقيقها شيء آخر. المشكلة ليست في حق الوزير في الاعتراض، بل في تحويل هذا الاعتراض إلى امتناع عن الحضور.
وما دام الاعتكاف فردياً، فإن غياب وزير واحد لا يُفقد الجلسات نصابها المحدّد بثلثي أعضاء الحكومة بموجب المادة 65، ولا يحرم مجلس الوزراء من اتخاذ قراراته.
وهنا تكمن المفارقة: فالاعتكاف الفردي لا يمنع القرار ولا يفرض التغيير، بل يجرد الوزير من صوته وقدرته على التصويت، ليبقى أثره محصوراً في استنزاف هيبة المؤسسة وإرباك العمل التنفيذي وتعطيل متابعة الملفات الحيوية.
ويمكن قراءة هذا المأزق في ضوء أطروحة «الخروج والصوت والولاء» للاقتصادي ألبرت هيرشمان؛ حيث يُفترض بالمسؤول أن يمارس «الصوت» من داخل الإطار التنفيذي بالحضور والتصويت، أو أن يختار «الخروج» الصريح بالاستقالة.
أما الاعتكاف، فهو صياغة لـ«صوتٍ بلا حضور»، ومحاولة للاحتفاظ بامتيازات الموقع والولاء السياسي مع سحب كلفته الدستورية، مما يمثّل تعطيلاً للخيارات المؤسساتية وتهرباً من تبعاتها.
وهذا السلوك ليس جديداً، بل يمتد إلى محطات سابقة تُظهر أن الاعتكاف كان غالباً مرحلة تسبق الاستقالة أو التفاوض، وليس بديلاً دائماً عنها.
ورغم اختلاف تجربة رئيس حكومة تصريف الأعمال الراحل رشيد كرامي عام 1969، التي ارتبطت بظروف استثنائية انتهت باتفاق القاهرة في 3 تشرين الثاني 1969، فقد شهدت الحكومة اللبنانية أواخر عام 2005 تعليقاً جماعياً لمشاركة وزراء حركة «أمل» و«حزب الله» على خلفية خلافات سياسية حادة حول ملف المحكمة الدولية وآلية اتخاذ القرار.
وبعد عودتهم في مطلع 2006 لممارسة مهامهم، انتهى المسار باستقالتهم الرسمية في تشرين الثاني 2006، مما يؤكد أن تعليق المشاركة لا يمكن أن يستقر كحالة دائمة دون أن يفضي إما إلى التسوية وإما إلى الخروج الكامل.
قد يحتج المدافعون عن الاعتكاف بأن الاستقالة خيار قاطع يتجنبه الوزير خوفاً من إحداث فراغ أو الإخلال بالتوازنات الطائفية.
لكن هذا الادعاء يغفل واقع النص الدستوري؛ فاستقالة وزير واحد لا تُسقط الحكومة، إذ تعدّ المادة 69 الحكومة مستقيلة في حالات محددة، ومنها فقدان أكثر من ثلث أعضائها المحدَّد عددهم في مرسوم تشكيلها.
وتتيح الاستقالة الفردية المجال دستورياً لتعيين وزير بالوكالة أو تعيين بديل بمرسوم يصدره رئيس الجمهورية بالتوافق مع رئيس الحكومة وفق المادة 53، وغالباً ما يتم التعيين عرفاً من المكوّن السياسي أو الطائفي نفسه، فتستمر التوازنات قائمة دون اللجوء إلى التعطيل.
أما الكلفة الحقيقية التي يتحاشاها المعتكف، فربما لا تكون الفراغ المؤسساتي، بل التخلي الصريح عن الحقيبة الوزارية ومواردها وصلاحياتها الإدارية.
إن الخطر الحقيقي لثقافة الاعتكاف يظهر في تفاصيل المرفق العام؛ فعندما يختار الوزير مقاطعة مجلس الوزراء، قد تتجمد الملفات التي تحتاج إلى عرض الوزير ودفاعه داخل الجلسات، وتتأخر المراسيم والقرارات التنفيذية ذات الصلة، وقد يدفع المواطنون ثمن النزاع الإداري الذي كان يُفترض أن يُحسم على طاولة مجلس الوزراء.
في منطق الدولة، لا مسؤولية بدوام جزئي؛ فمن يملك المنصب يملك واجب ممارسته كاملاً وتحمل نتائجه، ومن يرى نفسه عاجزاً عن التأثير، فالأجدى به سياسياً وأخلاقياً أن يستقيل بصراحة وأن يعود إلى صفوف الناس.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يسمح نظامنا السياسي بأن تتحول هذه الممارسة إلى خيار منخفض الكلفة على المسؤول، بينما يتحمل المواطن كلفة التعطيل؟
ربما لأن النظام الحالي يفتقر إلى آليات المحاسبة البرلمانية والشعبية المباشرة، ولأن الاستقطاب الطائفي يميل غالباً إلى مكافأة الموقف الرمزي وتبريره، بدلاً من محاسبة المسؤول على غيابه عن ممارسة واجباتها لدستورية.
وما دام الاعتكاف خياراً بلا ثمن، سيبقى في مناصبنا الوزارية من يجلس في قلب السلطة… معتكفاً عنها.
