العالم في عصر الذكاء الاصطناعي(1): عندما يفقد الإنسان احتكار الذكاء

بقلم د. نواف كبارة

منذ أن ظهر الإنسان على الأرض، امتلك ميزة حاسمة ميزته عن بقية الكائنات: قدرته على التفكير المركب، وعلى تحويل المعرفة إلى أدوات، والأدوات إلى قوة، والقوة إلى قدرة على تغيير العالم من حوله.
لقد اخترع الإنسان الآلة، ثم المحرك، ثم الكهرباء، ثم الحاسوب والإنترنت. وفي كل مرة كان الاختراع يضاعف قدرته، لكنه بقي أداة في يده. الآلة البخارية لم تفكر بدلاً منه، والسيارة لم تحدد وجهتها بنفسها، والحاسوب التقليدي لم يمتلك قدرة مستقلة على تحليل العالم وصياغة الاستنتاجات خارج ما برمجه الإنسان للقيام به.
أما اليوم، فنحن أمام تحول من نوع مختلف.
فالإنسان يعمل على صناعة أنظمة لا تزيد قوته الجسدية فحسب، بل تنافسه في المجال الذي كان يعتبره جوهر تفوقه: الذكاء نفسه.
نهاية احتكار الإنسان للذكاء
تكمن خصوصية ثورة الذكاء الاصطناعي في أنها لا تستبدل عضلات الإنسان بالآلة، بل تدخل إلى مجال التفكير والتحليل واللغة والإبداع واتخاذ القرار.
وإذا استمرت قدرات هذه الأنظمة في التطور، فقد نصل إلى مرحلة تصبح فيها بعض الأنظمة أكثر قدرة من الإنسان في عدد متزايد من المهام الفكرية والعلمية. وعندها لن يكون السؤال فقط: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل بواسطة الذكاء الاصطناعي؟ بل سيصبح السؤال الأكثر تعقيداً:
ماذا يحدث عندما يصبح الذكاء الاصطناعي نفسه فاعلاً أساسياً في إنتاج المعرفة والقرار والقوة؟
هنا تكمن القطيعة التاريخية.
لقد كان الإنسان، حتى اليوم، هو الذي يكتب التاريخ ويصنع أدواته ويحدد أهدافها. أما في المرحلة المقبلة فقد تصبح الأنظمة الذكية جزءاً من عملية صناعة التاريخ نفسها.

ثورة علمية غير مسبوقة

يحمل هذا التحول إمكانات هائلة للإنسانية.
في الطب، يستطيع الذكاء الاصطناعي تسريع اكتشاف الأدوية، وتحليل البيانات الجينية، وتحسين التشخيص، وتصميم علاجات أكثر تخصيصاً لكل مريض. وقد يؤدي الجمع بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والهندسة الجينية إلى تحولات عميقة في فهمنا للمرض والشيخوخة والجسد البشري.
وفي الفضاء، يمكن للأنظمة الذكية أن تدير المركبات والأجهزة الروبوتية، وتحلل كميات هائلة من البيانات الفلكية، وتساعد الإنسان على استكشاف مناطق لا يستطيع الوصول إليها بسهولة.
أما في الاقتصاد، فإننا قد نشهد تحولاً لا يقل أهمية عن الثورة الصناعية. وظائف ستختفي أو تتقلص، وأخرى ستظهر، وستتغير العلاقة التقليدية بين العمل والإنتاج والثروة.
لكن الوجه الآخر لهذه الثورة أكثر إثارة للقلق.
الذكاء الاصطناعي يدخل الحرب
كانت الحروب، مهما تطورت أدواتها، صراعات بين البشر. الإنسان يحدد العدو، ويقرر الهجوم، ويختار السلاح، ويتحمل، نظرياً على الأقل، مسؤولية القرار.
أما الحروب المقبلة فقد يدخل فيها فاعل جديد: الذكاء الاصطناعي.
فالطائرات المسيّرة، والأنظمة الذاتية، والحرب السيبرانية، وتحليل الأقمار الاصطناعية، وأنظمة تحديد الأهداف، والتضليل الرقمي، كلها تجعل الخوارزميات جزءاً متزايداً من البنية العسكرية.
والمشكلة ليست فقط في أن الذكاء الاصطناعي سيجعل الأسلحة أكثر دقة أو سرعة، بل في أنه قد يجعل سرعة الحرب نفسها تتجاوز سرعة القرار البشري.
إذا أصبحت منظومتان عسكريتان ذكيتان قادرتين على اكتشاف التهديد وتحليله والرد عليه خلال أجزاء من الثانية، فكم يبقى للإنسان من الوقت للتدخل؟
هنا ننتقل من حرب يستخدم فيها البشر الآلات إلى احتمال ظهور حروب تتفاعل فيها الآلات مع بعضها بسرعة لا يستطيع الإنسان متابعتها بصورة كاملة.

من الصراع بين البشر إلى الصراع بين منظومات الذكاء

قد يصبح الصراع الدولي في القرن الحادي والعشرين صراعاً بين دول تمتلك منظومات مختلفة من الذكاء الاصطناعي.
لن تكون القوة مرتبطة فقط بعدد الجنود أو الدبابات أو الطائرات أو حتى الرؤوس النووية، بل أيضاً بقدرة الدولة على امتلاك البيانات، والحوسبة، والرقائق المتقدمة، والطاقة، والخوارزميات، والعلماء والبنية التحتية اللازمة لتطوير أنظمة الذكاء.
وبذلك يمكن أن تتغير خريطة القوة العالمية نفسها.
فالدولة التي تتأخر في هذه الثورة قد تجد نفسها في وضع يشبه دولة دخلت القرن العشرين بلا صناعة أو كهرباء، ولكن الفارق أن سرعة التحول هذه المرة أكبر بكثير.

السؤال الأخطر: من يتحكم بمن؟
غير أن القضية الأعمق ليست اقتصادية أو عسكرية فقط.
منذ آلاف السنين كانت العلاقة واضحة: الإنسان يصنع الأداة، والإنسان يستخدم الأداة.

أما الذكاء الاصطناعي فيضعنا أمام احتمال مختلف. ماذا يحدث إذا أصبحت الأداة قادرة على التعلم والتخطيط وإنتاج أدوات وأنظمة أخرى أكثر تطوراً؟
وماذا يحدث إذا أصبحت سرعة تطورها أكبر من قدرة المؤسسات السياسية والقانونية والأخلاقية على متابعتها؟
عندها لن يكون السؤال: إلى أي مدى يستطيع الذكاء الاصطناعي خدمة الإنسان؟
بل:
إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يضمن بقاء هذه القوة الجديدة خاضعة لأهدافه وقيمه وقراراته؟.

مع الذكاء الاصطناعي الانسان لم يصنع اداة وانما انتج عقلا بشريا ذو قدرة تحليل وانتاج المعرفة واتخاذ القرار افعل بكثير من العقل البشري الذي اوجده.
الثورة التي قد تعيد تعريف الإنسان
لقد غيّرت الثورة الزراعية طريقة عيش الإنسان.
وغيّرت الثورة الصناعية طريقة إنتاجه.
وغيّرت الثورة الرقمية طريقة تواصله ومعرفته.

أما ثورة الذكاء الاصطناعي فقد تذهب أبعد من ذلك كله، لأنها قد تغير موقع الإنسان نفسه داخل التاريخ.
للمرة الأولى، نحن لا نخترع فقط آلة أقوى من عضلاتنا أو أسرع من أجسادنا، بل نبني أنظمة قد تتفوق علينا في مجالات من القدرة الفكرية التي اعتدنا اعتبارها جوهر خصوصيتنا.
ولهذا فإن السؤال الأكبر في القرن الحادي والعشرين لن يكون فقط من يمتلك الذكاء الاصطناعي، ولا من يربح السباق الاقتصادي والعسكري حوله.
السؤال الحقيقي سيكون:
هل يستطيع الإنسان أن يستخدم الذكاء الاصطناعي لبناء حضارة أكثر عدلاً وازدهاراً وسلاماً، أم أنه سيستخدم أعظم اختراعاته لتطوير أدوات الصراع والسيطرة إلى مستوى لم يعرفه التاريخ من قبل؟
ربما يكون الذكاء الاصطناعي أعظم أداة ابتكرها الإنسان.
وربما يكون أيضاً أول أداة تجبر الإنسان على إعادة التفكير في معنى أن يكون هو نفسه إنساناً.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top