
بقلم الياس عيسى الياس
أعرف تماماً ذلك الشعور بالثقل وأنت تتابع نشرات الأخبار كل يوم، وتراقب هذا العالم وهو يتحول ببطء إلى غرفة ضغط مغلقة.
فعلى مدى سنوات من متابعة ما يخطه كبار المحللين حول العالم، كنت أؤمن بأن الاستقرار البشري هشّ، لكنه يظل محمياً بخيوط عاقلة تمنعه من الانهيار الأخير.
غير أننا اليوم لسنا أمام مجرد أزمات سياسية عابرة، بل أمام شعور متنامٍ بالرعب الصامت بأننا نعيش جميعاً على حافة بركان.
هذا الهلع المشترك ليس وليد خيال مريض، بل هو خلاصة ما وضعه جيدعون ريكمن، كبير معلقي الشؤون الخارجية في صحيفة «فاينانشال تايمز»، في مقاله المنشور منتصف تشرين الأول 2026 وفي كتابه الجديد «الحرب مهتمة بك» (War Is Interested in You) الصادر هذا العام، حين تساءل بمرارة: هل أصبحنا حقاً نسير نياماً نحو حرب عالمية ثالثة؟
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه علينا في منطقتنا العربية ولبنان تحديداً، وهو ما لا توفره لنا الصحف الغربية، هو: أين نحن من كل هذا؟
فالعاصفة لا تقتصر على ساحات الصراع الكبرى.
وحين تتساقط الصواريخ على مطارات الشرق الأوسط وتتداخل أزماتنا المشتعلة مع صراع الكبار في أوكرانيا وتايوان، ندرك أن الدول الصغرى الواقعة على خطوط التماس هي التي تدفع الثمن الأول حين تختل قواعد اللعبة الدولية.
ومن هنا، لا تملك هذه الدول رفاهية انتظار قرار الكبار، بل تحتاج إلى تحصين جبهتها الداخلية ومؤسساتها قبل فوات الأوان.
فالخطر اليوم لا يولد صدفة مفاجئة، بل يزحف عبر تراكمات من التجاهل والتعنت.
وحسبك أن تتأمل أسبوعاً واحداً من منتصف تشرين الأول 2026 لتدرك حجم التصدع الكارثي؛ إذ شهدنا هجمات الحوثيين الصاروخية على مطار الرياض، والضربات الروسية التي خلفت مقتل أكثر من مئة مدني في أنحاء أوكرانيا، والتحذيرات البولندية من هجمات داخل الاتحاد الأوروبي، والمناورات الصينية بالذخيرة الحية حول تايوان لمدة ستة أيام.
كل ذلك يؤكد أن مناطق بأسرها كانت تظن السلام حقاً مكتسباً، باتت اليوم غارقة في النار أو مستعدة لحروب لا ترحم.
ويشير ريكمن إلى أن «مجموعة الأزمات الدولية» أحصت مؤخراً 65 نزاعاً مسلحاً حول العالم، وهو أعلى رقم تسجله منذ الحرب العالمية الثانية.
كما يقرّ بأن الحرب لا تصبح عالمية إلا إذا دخلت أقوى دول العالم في صراع مباشر فيما بينها، وامتد الصراع عبر قارات مختلفة.
وهذان الشرطان لم يتحققا بعد، لكن الاحتمال قائم، وأخطر ساحاته أوروبا.
فهناك تشن روسيا حرباً هجينة من التخريب والحرائق والاغتيالات والهجمات السيبرانية تحت سقف الاعتداء العسكري المباشر، وهي أفعال تزيد خطر التصعيد غير المقصود.
وهو ما عبّر عنه المستشار الألماني فريدريش ميرتس بقوله: «نحن لسنا في حالة حرب، لكننا لم نعد في حالة سلام».
ولفهم هذا الانزلاق، يكفي أن نستحضر تلك اللحظة الكابوسية التي رواها ريكمن عن مؤتمر ميونخ للأمن قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، حين نقل رئيس الاستخبارات الأسترالية أندرو شيرر لوزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ذهوله من نقاش غزو في القرن الحادي والعشرين.
وحينها سقط السقف تماماً، وصار الحديث عن حرب عالمية ثالثة على لسان الرؤساء مألوفاً؛ فقد اتهم ترامب زيلينسكي في 28 شباط 2025 بالمخاطرة بإشعالها، بينما يرد زيلينسكي بأن التراخي الدولي هو ما سيشعلها، وأكد أمين عام الناتو مارك روته أن أوروبا هي هدف روسيا التالي.
وفي الشرق، يحذر الرئيس الصيني باستمرار من الوقوع في «مصيدة ثيوسيديدز»، وهو مصطلح صاغه أستاذ العلوم السياسية الأميركي غراهام أليسون انطلاقاً من سرد المؤرخ الإغريقي ثيوسيديدس لحرب البيلوبونيز، ورأى فيها أن صعود أثينا والخوف الذي أثاره في إسبرطة جعلا الحرب بينهما شبه حتمية.
ويرى أليسون أن اثنتي عشرة حالة من ست عشرة حالة، صعدت فيها قوة جديدة لمنافسة قوة مهيمنة خلال الخمسمئة عام الأخيرة، انتهت بحرب.
وشي نفسه يقول إن المصيدة ليست قدراً محتوماً، لكنها تنشأ حين تخطئ القوى الكبرى في حساباتها، وهذه هي الفكرة التي يدور حولها مقالنا.
ويرى ريكمن أن سياسات بكين تجاه تايوان تجرّه إليها.
ولا يأتي هذا الانزلاق من فراغ، بل تقف خلفه تحولات بنيوية كبرى؛ أولاً في تراجع ميزان القوى الغربي إذ هبطت حصة مجموعة السبع من نحو ثلثي الناتج العالمي عام 1989 إلى نحو 43 في المئة عام 2022 لصالح قوى صاعدة تريد تعديل الكفة.
وثانياً في الانكفاء الأميركي، فبعد الإرث الثقيل لحروب أفغانستان والعراق تعهد رؤساء متعاقبون منذ أوباما بإنهاء الحروب الأبدية، وهي رسالة قرأتها موسكو وبكين وطهران على أنها تشجيع ضمني للمجازفة بدءاً من القرم 2014 وسوريا 2015 وصولاً إلى أوكرانيا 2022.
وثالثاً في صعود جيل «الرجال الأقوياء»، وهم قادة قوميون يؤمنون بأن القوة وحدها تصنع الحق ويديرون ظهورهم للقواعد المؤسسية.
وفي هذه الخانة يصنّف ريكمن شخصيات مثل بوتين وشي جين بينغ وترامب ونتنياهو، ممن ينظرون إلى أنفسهم كرجال أرسلهم القدر لإنقاذ بلادهم، وهو ما أطاح بأهم قاعدة حفظت الاستقرار منذ عام 1945: حظر ضم أراضي الغير بالقوة، وصولاً إلى إحياء منطق «مناطق النفوذ» وتهديدات بضم أراضٍ جديدة.
غير أن منطق مناطق النفوذ هذا وهمٌ قاتل؛ فأوكرانيا ترفض الموت بصمت، وتايوان ليست لقمة سائغة، والصراعات بين الكبار أنفسهم ستكون مرجحة بسبب تعارض مصالحهم.
إذن، ما الذي يمنع الانهيار الشامل؟
تاريخياً، لم يحمنا حسن النية، بل الخوف المتبادل المدعوم بالردع النووي.
ومع أن البعض يرى أن الردع ما زال فاعلاً، فإن رصيد هذا الخوف اليوم ينفد تدريجياً؛ فالتحالفات تتآكل، وشعور الخصوم بأن واشنطن لم تعد مستعدة للتضحية من أجل حلفائها يفتح شهيتهم للمغامرة.
والتاريخ شاهد على أن الغموض بشأن مدى الالتزام بالدفاع عن الحلفاء كان أحد الأسباب الرئيسية لاندلاع الحربين العالميتين، من سوء تقدير ألمانيا عام 1914 إلى سوء تقدير هتلر عام 1939.
وفي لبنان، لا يبدو هذا الدرس بعيداً.
فكل طرف محلي وإقليمي يبني حساباته على قراءة لنوايا الآخرين: ماذا ستفعل واشنطن، وهل ستتحمل طهران، وإلى أي حد تذهب تل أبيب.
وكلما اتسعت الفجوة بين هذه القراءات وحقيقة النوايا، ضاق هامش الدولة الصغيرة، فتدفع كلفة رهانات لم تشارك في صياغتها.
إن أخطر ما في مشهدنا اليوم ليس أن هناك مجنوناً قرر إشعال حرب عالمية، بل أن يتصرف كل طرف على أساس أن خصمه أضعف من أن يرد بجدية.
وحين تتطابق هذه الحسابات الخاطئة لدى الجميع، تتحول الخطوات الاستفزازية إلى كارثة يصعب تفاديها.
فالحرب الكبرى لا تبدأ بقرار شيطاني، بل حين يخطئ الجميع في قراءة نوايا بعضهم بعضاً، وتفقد واشنطن وعواصم القرار القدرة على ضبط إيقاع الردع، لتجد الإنسانية نفسها على حافة الهاوية، ويبقى لبنان في قلب هذه النار، يدفع كلفة أخطاء الكبار حين يعمى الجميع عن قراءة النهايات.
