
بقلم الياس عيسى الياس
صباح الأربعاء، وقبل أن تنتهي الصحف الأميركية من عدّ الأصوات، كانت الشرفات والمقاهي وشاشات الهواتف في لبنان قد أصدرت أحكامها. فريق يستبشر ويقول إن عهد الضغط انتهى، وإن واشنطن ستتراجع أخيرًا. وفريق يضع يده على قلبه، ويحسب أن قبضة الخصوم ستشتد.
قلّة منهم قرأت برنامجًا، أو عرفت اسم لجنة، أو سمعت بصلاحيات الكونغرس. كانوا يصفّقون أو يغالون في التشاؤم لأن الجماعة التي ينتمون إليها فعلت ذلك. وهذا يذكرنا بحكاية “ثياب الإمبراطور”، حيث هزّ الجميع رؤوسهم موافقين على ما لا يرونه، ولم يجرؤ على القول إن الإمبراطور عارٍ إلا طفل.
انتزع الديمقراطيون الأغلبية في مجلس النواب، وحسمت وسائل الإعلام الأميركية فوزهم بالأغلبية في مجلس الشيوخ أيضًا، فصار الكونغرس بغرفتيه في يد الحزب المنافس للرئيس للمرة الأولى في ولايته الحالية. وكتبت الغارديان في قراءة تحليلية أن السنتين الأخيرتين من ولاية الإدارة الحالية ستبدوان مختلفتين تمامًا عن نصفها الأول، إذ سيمتلك الحزب المنافس سلطة التحقيق والاستدعاء والرقابة، وسط ضغط متوقع من قاعدته نحو مسارات أشد حدة.
هذه وقائع مهمة، لكنها وقائع أميركية في المقام الأول. وأخطر ما فينا أننا نقرأ ما يجري في بلد آخر وكأنه يجري في بلدنا، فنحوّل صندوق اقتراع في أوهايو أو ميشيغان إلى وعد بالنجاة أو نذير بالكارثة.
وحتى في الاحتفاء بالفائزين من أصول عربية ومسلمة، نقرأ بعين الانتماء لا بعين الوقائع. فقد وصل عبدول السيد (Abdul El-Sayed) إلى مجلس الشيوخ عن ميشيغان، وسيكون أول مسلم في تاريخ مجلس الشيوخ الأميركي كله، وللإنجاز قيمته الرمزية. ورغم أنه معروف بانتقاده الحاد لإسرائيل، فإن حملته، بحسب ما أوردته صحيفة «المصري اليوم»، دارت حول الرعاية الصحية وكلفة المعيشة ونفوذ الشركات الكبرى، أي حول هموم الناخب الأميركي الذي انتخبه لأميركا. ومن يصفّق له باسم الأصل المشترك قد يعلّق عليه آمالًا لم يحملها يومًا.
فالخلاص الذي ننتظره من صناديق الآخرين يبدو نسخة جديدة من ثياب الإمبراطور. نحن لا نرى ما سيتغير فعلًا، لكن الاعتراف بأننا لا نعرف يبدو لنا أثقل من التصديق بأن شيئًا ما سيتبدل؛ فنتخيل، ونصدّق ما تخيلناه، ثم ندافع عنه بشراسة.
ولا يكاد الأميركيون أنفسهم يملكون جوابًا شافيًا. فقد طرحت الإندبندنت عشية الانتخابات سيناريوهين متناقضين لما بعدها: رئيس تتقلص سلطته بفعل توازن الكونغرس، أو رئيس يزداد جموحًا فيحكم بالمراسيم ويذهب إلى حروب تجارية أو إقليمية. فإذا كان أهل البيت أنفسهم لا يعرفون أي السيناريوهين سيتحقق، فمن أين لنا هذا اليقين المطلق الذي نتبادله على الشرفات؟
والمفارقة أن التاريخ القريب لا يشجع على هذا التفاؤل ولا على ذلك التشاؤم. فقرار تصنيف حزب الله منظمة إرهابية صدر عام 1997 في عهد بيل كلينتون الديمقراطي، ولم تتراجع عنه إدارة جمهورية ولا ديمقراطية بعده، بل شددت العقوبات وتوسعت فيها. وفي حرب تموز 2006 في عهد جورج بوش الجمهوري، وفرت واشنطن غطاءً سياسيًا لإسرائيل، وشاركت في صياغة القرار 1701. وفي سنوات جو بايدن الديمقراطي لم ينقطع الدعم العسكري ولا الحماية الدبلوماسية.
نعم، تتبدل أمور كثيرة بتبدل الإدارات؛ فالاتفاق النووي مع إيران وُقّع عام 2015 في عهد باراك أوباما، ثم انسحب منه دونالد ترامب عام 2018. لكن التعامل مع الملف الإيراني مسار، والموقف الثابت من سلاح حزب الله وتأثيره مسار آخر تمامًا؛ فالأول يتبدل إيقاعه، بينما بقيت أدوات الضغط على الحزب قائمة في كل العهود.
لا يعني ذلك أن الحزبين متطابقان؛ فالجمهوريون يميلون في الغالب إلى الضغط الأقصى والمقاربات الصدامية، ويتركون هامشًا واسعًا للحسم الميداني، وهو ما يراه كثير من المحللين إطلاقًا ليد الحليف الإسرائيلي، بينما يربط الديمقراطيون الدعم عادة بأسئلة الرقابة والوضع الإنساني. لكن هذه فروق في الأسلوب والإيقاع، لا في الهدف الاستراتيجي. والاستراتيجية الأميركية تجاه لبنان، كما تدل عليها العقود الماضية، قائمة على تقليص نفوذ الحزب، ودعم المؤسسات الشرعية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، حيث ينتظر لبنان دومًا قرارات الكونغرس بشأن حجم المساعدات العسكرية وتجديدها، إلى جانب تفعيل القرارات الدولية.
وهذا هو الفارق بين ما نعرفه وما نجهله. نعرف الثوابت، ونجهل الإيقاع والحدّة.
وهناك ما يستحق الانتباه أيضًا: توازن السلطات الجديد يعني أن الاهتمام في الأسابيع المقبلة قد ينصبّ على تحقيقات داخلية تخص كلفة الحرب أو المؤسسات الأمنية. لكن أن يمتد أثر ذلك إلينا شيء، وأن نبني عليه أحلامنا أو مخاوفنا الكبرى شيء آخر.
هنا تكمن المسألة الجوهرية. فنحن لا نسأل: ماذا يعني هذا فعلًا؟ بل نسأل: هل هو لنا أم علينا؟ ومن يطرح السؤال بهذه الصيغة لا يبحث عن فهم، بل عن انتماء.
وفي هذا الوهم المشترك دفء زائف لا يمنحه اليقين الفردي. والأدهى أن انتظار الخلاص من الخارج يعفينا من مواجهة الداخل؛ فإذا كانت واشنطن هي من سيقرر مصير السلاح أو هيكلية الدولة، فلا حاجة بنا إلى أن نسأل: من يقرر عندنا؟ ولا حاجة إلى محاسبة أحد، ولا إلى تحمل مسؤولية الإصلاح الحقيقي. وهو أيضًا اعتراف مؤلم بأننا نكتب مصيرنا بأقلام غيرنا، وكأن من يعلّق آماله على صندوق في بلد بعيد يكشف أحيانًا عن افتقاره إلى الثقة بصناديقه هو.
وماذا فعلنا نحن بصناديقنا؟ هل صارت أدوات اختيار واعٍ، أم ما زالت طقوس ولاء؟ وهل سألنا ممثلينا عما يفعلونه بعد الانتخابات، أم اكتفينا بالصياح ليلة الفوز والصمت بعدها؟
وبدل أن ننشغل بمن سيترأس لجنة في الكابيتول، حريّ بنا أن ننشغل بمن يجلس إلى الطاولة المحلية التي تُتخذ عندها قرارات مصيرنا. فالجيش الذي تراهن عليه واشنطن يحتاج أولًا إلى قرار لبناني سيادي يحميه من التجاذب السياسي ومن ازدواجية السلاح، والدولة التي نطلب تفعيل القرارات الدولية باسمها تحتاج إلى من يؤمن بها ويحصّن مؤسساتها قبل أن يطالب الآخرين بدعمها.
ليس المطلوب أن نتجاهل ما يجري في العالم؛ فالتأثير الدولي حتمي ومن العبث إنكاره. المطلوب أن نقرأ بتواضع وبحذر، وأن نفرق بين ما نعرفه بدقة وما نتمناه أو نخشاه. المطلوب أن نجرؤ على القول: لا نعرف بعد كيف سيتعامل الكونغرس الجديد مع ملفاتنا، ولا إن كانت الأولويات الداخلية الأميركية ستبتلع الاهتمام بالخارج. وكل ما نستنتجه من سجل التاريخ أن الثوابت الكبرى لم تتغير.
وهذه ليست هزيمة معرفية، بل أول شروط الفهم الحقيقي. فالطفل في الحكاية لم يكن أذكى من الحاشية، بل كان أقل خوفًا منها؛ لم يدّعِ الفهم، بل قال بجرأة ما تناهى إلى بصره.
وما نراه اليوم أن بلادنا تحتاج لمن يجرؤ على طرح الأسئلة الحقيقية: من قرر؟ ولماذا؟ وبأي ثمن؟ وهي أسئلة نملك أن نطرحها دون إذن من أحد، ودون انتظار نتائج انتخابات في أي عاصمة.
حينها ربما ندرك أن مصير لبنان لن تكتبه صناديق الآخرين مهما تبدلت أغلبياتها، وأن الصندوق الحقيقي الذي ينبغي أن نعيد إليه الاعتبار هو صندوقنا، وأن أول من ينبغي أن نوجه إليه السؤال هو نحن.
