بقلم جوزاف وهبه

إنّها الحرب القديمة – الجديدة بين “ثنائيتين”، وتكاد تشهد آخر فصولها المدمّرة:”ثنائيّة” الدين والعقيدة والغيبيّات الخارجة من عقر التاريخ والسرديّات الإلهيّة المطلقة..و”ثنائيّة” العقل والقوّة وأقصى تجلّيات التكنولوجيا والإستخبارات والذكاء الإصطناعي. خطّان متوازيان لا يلتقيان..ولم يلتقيا سوى في ميادين الموت والقتل والخراب، والإلغاء الحتمي الواحد للآخر.ولن تنتهي هذه الحرب إلّا برابح وخاسر.لا حلول وسطى، ولا تسويات، كما توهّم البعض في سياق مفاوضات مسقط عُمان وجنيف.كانت مسألة ” كسب وقت” للطرفين، ليس إلّا:الأوّل، علّ المعادلات تتغيّر في تل أبيب وواشنطن. والثاني، بانتظار الفرصة المناسبة.وقد أتت هذه الفرصة صباح السبت 28 شباط، حين استرخى المرشد الأعلى لتفاصيل جولة رابعة من المباحثات، فقرّر أن يطلق سلسلة إجتماعات قياديّة بارزة…وكان ما كان!

في المحصّلة الأولى والسريعة لمجريات حرب “زئير الأسد” (بما فيها التطوّرات المستجدّة على الساحة اللبنانيّة) أنّ “ثنائيّاً” قد قضى، إلى غير رجعة، ودونما قدرة موضوعيّة على استنساخ البديل.القادة “الإلهيّون” لا يتكرّرون ولا يبدّلون تبديلا:الأمين العام لحزب الله (قدّس الله سرّه) حسن نصرالله..والمرشد الأعلى (عظّم الله ذكره) علي خامنئي.كلاهما سقطا بالضربة القاضية في مشهد سوريالي واحد، تحت ركام من الأبنية، بقنابل إسرائيليّة حارقة خارقة، مع حشد من القادة والمستشارين والمرافقين.جمعهما مصير واحد تحت الأنقاض، في لحظة زهو وتكبّر وسوء تقدير.جمعهما قدر أن يشكّل مقتل كلّ منهما “نقطة تحوّل” في ميزان القوى، أكان في حرب الإسناد في لبنان، أو حرب النووي – الباليستي في إيران.

زمن “الثنائي” خامنئي – نصرالله قد انتهى، وانتهى معهما زمن السلاح الإلهي وسيف الإمام والمهدي المنتظر وطيور أبابيل.سقطت الأسطورة، وسقطت معها “أوهام” اقتسام الشرق الأوسط مع الشيطان الأكبر، أو الجلوس على طاولة الكبار، مدعوماً بعواصم عربيّة أربعة، أو بملفّ القدس والمسجد الأقصى وقضيّة فلسطين.”أوهام” تبخّرت في دقائق معدودة كانت كافية لتدمير جبروت نصرالله في مخبأه المحصّن في ضاحية بيروت الجنوبيّة، وقدسيّة الخامنئي في مقرّه السرّي في قلب طهران!

المنتصر بلا حدود هو “الثنائي” ترامب – نتانياهو.من مزرعته في كاليفورنيا، أعلن سيّد البيت الأبيض:الخامنئي قُتل، واستراح العالم من الشرّ الكبير.وقبله، كان “ملك ملوك” إسرائيل قد أطلّ على العالم بالإعلان عن تأكّد مصادره العسكريّة من وفاة الأمين العام نصرالله، حين كان الجميع ينتظرون أن يطلّ بعباءته السوداء، رافعاً أصبعه، من تحت ركام الحجارة والغبار.

قد يكون صحيحاً ما كتبه الدكتور الصديق خالد جمال حول أّنّ لهذه الحرب، في وجه من وجوهها، طابعاً دينيّاً (الإسلام بشقّيه السنّي والشيعي والمسيحيّة واليهوديّة)، إلّا أنّ الفروقات والتفوّق لم تكمن في صلب البُعد الديني للحرب، وإنّما في كيفيّة إدارتها والتعامل معها “في الميدان” بلا استحضار للأرواح والملائكة والغيب، بل وفق معطيات إستخباراتيّة علميّة، ووفق نوعيّة أسلحة ذكيّة متطوّرة لا تخطئ في المكان والزمان، ووفق معرفة تفصيليّة عن “العدو”:متى ينام ومتى يستيقظ، أين يذهب وكيف يفكّر.. وبالأخصّ الأخصّ “متى يخطئ” فتأتيه الضربة القاتلة!

بعيداً عن تفاصيل ما سيجري في الأيّام المقبلة من الحرب الدائرة في المنطقة، وبعيداً عن قدرة إيران (وما تبقّى من أذرعها في لبنان والعراق واليمن) على الصمود الطويل أو القصير، ونشر الفوضى في الخليج العربي (وصولاً إلى قبرص) في نوع من الضغط على قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب..بعيداً عن كلّ هذه التطوّرات الدراماتيكيّة المؤلمة، ثمّة خلاصة شبه ثابتة، أنّ “ثنائيّة” ترامب – نتانياهو قد نجحت وحقّقت نصراً مبيناً، فيما “ثنائيّة” خامنئي – نصرالله قد خسرت أرواحها وأمجادها، وباتت من الماضي.. فحزب الله لن يعود كما كان (والأدلّ على ذلك “جرأة” قرارات مجلس الوزراء الأخيرة)، فيما طهران تستعدّ عاجلاً أو آجلاً لخلع جبّتها الخمينيّة إستعداداً للمشاركة الخجولة في “اللقاء السعيد” مع صنّاع الشرق الأوسط الجديد!!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top