ما بعد “النهاية”: هل يبتلع مضيق هرمز عقيدة “الغرب الموحد”؟

بقلم الياس عيسى الياس

​هل انتهى التاريخ فعلاً كما بشرنا “فرانسيس فوكوياما” بانتصار النموذج الليبرالي، أم أن التاريخ قرر إعادة إنتاج أسوأ كوابيسه في مياه مضيق هرمز الضحلة؟

​حين يراقب العالم اليوم التصدع العميق الذي يضرب ضفتي الأطلسي، يبدو أننا لسنا أمام مجرد خلاف تقني على حماية ناقلات النفط، بل نشهد صداماً بين رؤيتين متناقضتين للنظام العالمي.

​تتمسك العواصم الأوروبية برؤية “المؤسسات الدولية” والقانون، بينما تتبنى واشنطن حالياً “الواقعية التجارية” التي تنظر للتحالفات كعقود تأمين قابلة للإلغاء عند أول منعطف.

​إن مطالبة واشنطن لحلفائها بالانخراط في ما يُعرف بـ “حرب الاختيار” (War of Choice) تضع مفهوم الدفاع المشترك أمام اختبار عسير. و”حرب الاختيار” هي تلك التي تُشن بناءً على تقديرات سياسية ومصالح استراتيجية استباقية، وليس رداً اضطرارياً على عدوان مباشر ومحتوم.

​هذا التوجه، المقترن بالتشكيك في جدوى “المادة الخامسة”، يحول العلاقات التاريخية إلى صفقات تجارية. وتمثل هذه المادة حجر الزاوية في ميثاق الناتو، إذ تنص على أن “أي هجوم مسلح ضد أحد الأعضاء يعتبر هجوماً عليهم جميعاً”، وهو مبدأ بدأ يترنح أمام منطق الصفقات الذي يربط الحماية بمقدار المساهمة المالية.

​في هذا الفضاء المشحون، تبرز لحظة “ديجافو” (Déjà Vu) تعيد للأذهان عام 2003، حين انقسم الغرب بشكل حاد حيال غزو العراق. في ذلك الوقت، قادت واشنطن ولندن تحالفاً خارج مظلة الأمم المتحدة بناءً على مبررات ثبت بطلانها، بينما وقفت باريس وبرلين بقوة ضد تلك الحرب.

​اليوم، تعود ذات الهواجس من الحروب التي تفتقر للشرعية الدولية. يخشى الأوروبيون أن يكون الانجرار وراء تصعيد عسكري في هرمز تكراراً لذات الخطأ الاستراتيجي الذي استنزف القوى الغربية وأضعف مصداقيتها الأخلاقية لسنوات طويلة.

​وعندما يلوح دونالد ترامب بسلاح الابتزاز الدفاعي، فإنه يفرغ المؤسسات الدولية من جوهرها، مستخدماً خطاباً يقوم على “السخرية من الحلفاء”. إذ يتم وصف القوى الأوروبية بـ”الانتهازية” أو “المستفيدين بالمجان” (Free Riders) الذين ينعمون بالحماية الأمريكية دون دفع الثمن العادل.

​هذه السخرية العلنية لا تهدف فقط لتحصيل المكاسب المالية، بل تعمل على تآكل “البنية التحتية للثقة”. إنها تجرح الكرامة السياسية لدول حليفة، محولةً التحالف من شراكة قيم ديمقراطية إلى علاقة “زبون ومزود خدمة”، مما يدفع الأوروبيين للبحث عن بدائل أمنية مستقلة.

​لذا، يبرز الحذر الشديد لدى القادة الحاليين. يحاول وزير الدفاع الألماني “بوريس بيستوريوس” الحفاظ على جاهزية عسكرية قادرة على الردع دون توريط بلاده في صراع مفتوح ينهك الميزانية.

​بينما يسعى الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” لترسيخ “الاستقلال الاستراتيجي” الذي يمنع ذوبان القرار الأوروبي في الأجندة الأمريكية، في حين يجد رئيس الوزراء البريطاني “كير ستارمر” نفسه في اختبار موازنة “العلاقة الخاصة” مع واشنطن مع الحفاظ على القواعد الدولية.

​إن هؤلاء القادة يدركون أن الانزلاق نحو حروب غير مدروسة يؤدي حتماً إلى تآكل الثقة في المؤسسات، ويفتح الباب لصعود التيارات الشعبوية التي تقتات على أزمات الطاقة وتضخم الأسعار.

​الرفض الأوروبي الحالي هو في حقيقته “تمرد مؤسساتي” يرفض تحويل القارة إلى مجرد “كاسحة ألغام” في أجندة لم تشارك في صياغتها. وهو شعور نابع من مرارة التجربة في العراق التي أثبتت أن التدخل العسكري المباشر دون رؤية سياسية متينة لا يولد سوى الفوضى.

​بالنسبة للمراقب المحايد، فإن هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو عتبة لاختبار الذاكرة السياسية. إن ما نعيشه اليوم هو تجلٍّ لـ “الوهن المؤسساتي”؛ فحين يتحول التحالف الأطلسي إلى منصة للسخرية، نفقد الفكرة التي جعلت من “الغرب” قوة منتصرة.

​في نهاية المطاف، إن صراع الإرادات فوق أمواج هرمز هو صراع على هوية النظام القادم؛ فإما العودة إلى عالم “هوبز” حيث يسود منطق القوة، أو الحفاظ على بقايا عالم “كانط” حيث يسود العقل والقانون.

​وإذا استمر هذا التصدع، فإن المضيق لن يكون مقبرة للناقلات فحسب، بل قد يصبح المدفن الأخير لأسطورة “وحدة الغرب” التي صمدت طويلاً أمام العواصف، تاركة العالم لمستقبل تحكمه الصفقات المرتجلة لا المبادئ الراسخة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top