هل تنهي قاعدة «الكل أو لا شيء»صراعات الشرق الأوسط؟

بقلم الياس عيسى الياس

​قراءة في مقال بريت ستيفنز (Bret Stephens)
نيويورك تايمز (The New York Times)

​يقدم بريت ستيفنز في “نيويورك تايمز” طرحاً حاداً يفيض حماسة، وكأن الرجل استيقظ ليجد مفاتيح الشرق الأوسط كلها تحت وسادته؛ فطرحه هذه المرة لا يعرف “المنطقة الرمادية” التي يعشقها الدبلوماسيون، بل يريد نتائج حاسمة، أو كما نسميها في بلادنا “يا صابت يا خابت”.

والظاهر أن الكاتب يرى أن سياسة “أنصاف الحلول” مع طهران لم تورث إدارة ترامب إلا الصداع واستنزاف الموارد، ولذلك يقترح قاعدة “الكل أو لا شيء” لإنهاء هذه المراوحة، معتبراً أن زمن الردع التقليدي والتحذيرات اللفظية لم يعد منتجاً في بيئة إقليمية ملتهبة. ورغم ما يحمله هذا الطرح من مخاطر الانزلاق نحو المجهول، إلا أنه يعكس ضيقاً حقيقياً وملموساً في واشنطن من تعثر سياسات الاحتواء التقليدية التي لم تنجح في لجم الطموحات الإقليمية.

​الحل عند ستيفنز يبدأ من البحر تحت شعار “الإرغام والامتثال”، حيث يقترح إخضاع ناقلات النفط الإيرانية في بحر العرب لمراقبة أمريكية مباشرة وقواعد ملاحة إجبارية؛ فإما أن تعود إيران “دولة طبيعية” تلتزم بقواعد الاقتصاد العالمي، أو تواجه شللاً مالياً تدريجياً يترك خزائنها خاوية، خاصة وأن مواردها النفطية ستصبح عرضة للمصادرة الفورية إذا ما استمرت في تهديد الملاحة أو دعم الفصائل المسلحة. وفي الداخل الإيراني، يتوقف الكاتب عند واقع اقتصادي متأزم بمعدلات تضخم قياسية تجاوزت حدود الاحتمال، ناهيك عن الدماء التي سالت مطلع هذا العام (2026) في احتجاجات واجهتها السلطة بالرصاص والصمت الرقمي الخانق. وهنا يقترح الكاتب “خلطة تكنولوجية” لكسر العزلة عبر تقنيات “ستارلينك” وإعادة الروح لمنصات مثل “راديو فردا”، لمنح المواطن الإيراني نافذة تواصل حرة تتجاوز تعتيم السلطة وجدرانها الرقمية.

​أما في الشأن اللبناني، ذلك البلد الذي كُتب عليه أن يدفع دائماً من “لحمه الحي” أثماناً تفوق طاقته، فله عند ستيفنز وصفة جراحية تحت مسمى “الانسحاب مقابل الانسحاب”؛ وهي معادلة تهدف في جوهرها إلى فك الارتباط العضوي بين مؤسسات الدولة اللبنانية وبين النفوذ والأيديولوجيا المسلحة العابرة للحدود، مقابل كفّ يد الآلة العسكرية الإسرائيلية عن الجغرافيا والسيادة اللبنانية.

والحقيقة أن هذا الطرح، برغم بريقه النظري كطوق نجاة لجمهورية غارقة، يواجه معضلة “تسييل” الوعود على أرض الواقع؛ فالمشكلة تكمن في كيفية استعادة القرار العسكري المسلوب وحصره في يد الجيش اللبناني وحده كصاحب الحق الحصري في حماية البلاد، وهي خطوة تبدو كأنها “قفزة في المجهول” ما لم تتوفر لها ضمانات دولية صارمة ومظلة توافقية كبرى تُخرج لبنان من زنزانة المحاور.

ومن هنا، يرى الكاتب أن “استعادة لبنان” ليست إلا ترساً في محرك “الصفقة الكبرى” التي تهدف لإقناع طهران بالعودة من خانة “الثورة الصدّارة للأزمات” إلى وضع “الدولة الوطنية” المستقرة، مقابل رفع كامل للعقوبات ومباركة دولية لمكانتها الطبيعية، لتنتهي معها وظيفة بيروت كـ “ساحة بريد” نارية.

​والسؤال الذي يطرح نفسه بمرارة: هل هذا الذي سيحصل فعلاً؟ بصراحة يا أصدقائي ، بين الأماني والواقع “جبل من الملح”، فالتاريخ يعلمنا أن الرؤى الصارمة تصطدم دائماً بتعقيدات الأرض، والنظام في طهران يرى في نفوذه الإقليمي درعاً وجودياً لا يمكن التفريط به، لا مجرد بند تفاوضي عابر. أما واشنطن، فغالباً ما تبدأ بـ “العين الحمراء” وتنتهي بصفقات وتسويات حين تدرك كلفة الصدام الشامل؛ لذا، وبينما يكتب ستيفنز “مانشيتات” براقة، يكتب الواقع فصولاً من القلق والانتظار، حيث تظل الشعوب وحدها من يدفع الثمن، لا لأن الحلول مستحيلة، بل لأن كلفتها السياسية أعلى من أن تُدفع.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top