رهان “الخنق”: هل تشتري واشنطن نصراً أم تبيع استقراراً؟

بقلم الياس عيسى الياس

​يُقال إن التاريخ يعيد نفسه، لكنه في الشرق الأوسط يعيد نفسه على شكل مآسٍ متكررة، فيما يظن بعض صناع القرار في واشنطن أنهم يمتلكون مفاتيح المستقبل عبر خرائط العقوبات والتحركات العسكرية. ما يُسمع في أروقة صنع القرار اليوم لا يوحي بأن الدروس القاسية للماضي قد استُوعبت بالكامل؛ ففي كل مرة يظن فيها “الخبراء الجدد” أن المنطقة مختبر للتجارب، تنتهي الأمور بمقبرة للأوهام الكبرى.

​اليوم، يبدو أن البيت الأبيض يعيد الرهان على هذا المسار مرة أخرى، معتمداً على رؤية ترى العالم من ثقب إبرة الضغط المادي؛ حيث يُنظر لإيران كـ “شركة” مفلسة تحت التصفية، متجاهلين أنها منظومة أيديولوجية أثبتت قدرتها على المخاطرة العالية في سبيل البقاء. ولا يعني هذا الطرح تبرئة لسياسات طهران الإقليمية أو تقليلاً من خطورة تدخلاتها، لكنه تحذير من أن الضغوط التي تتجاوز نقطة الانفجار قد تدفع الخصم إلى خيارات اندفاعية لا تبالي بالعواقب، بدلاً من الانصياع المرتقب.

​المشكلة أن البعض في واشنطن يفرطون في قراءة أرقام الاقتصاد ويغفلون عن ديناميات الأزمات وسلوك الدول تحت الضغط الشديد. الرهان الحالي على “الخنق حتى الانهيار” يذكرنا برهانات “المحافظين الجدد” عام 2003؛ وعود بدمقرطة المنطقة انتهت بخراب كلف تريليونات الدولارات وفوضى لا تزال ذيولها ممتدة. الحقيقة التي يتجاهلها الصقور هي أن كسر العظام لا يصنع سلاماً مستداماً، وأن إغلاق أبواب التفاوض قد لا يدفع الطرف الآخر لرفع الراية البيضاء، بل لتبني استراتيجية “الأرض المحروقة”.

​في “مار-إيه-لاغو” — المقر الذي بات يُتخذ فيه القرار بعيداً عن رتابة البيروقراطية — يسود منطق يرى أن الدبلوماسية استُنفدت. هناك، يتقدم تيار الصقور برؤية حاسمة: إيران مخنوقة اقتصادياً بعد فقدان عملتها لأكثر من 80% من قيمتها، ونفطها محاصر. لذا، يعتقد هؤلاء أن الوقت حان لإنهاء “الاحتواء” واستكمال عملية “الضغط الأقصى” لإجبار النظام على استسلام مهين، وكأنهم يدعون الخصم لمأدبة لا تحمل في طياتها سوى شروط مستحيلة.

​لكن هذا المنطق يتجاهل واقعاً جيوسياسياً مريراً؛ فالرهان على أن تدمير بنية تحتية مثل جزيرة “خرج” سيجلب السلام هو وهم خطير. فمثل هذه الخطوة قد تفعل “خيار شمشون”، مما يهدد بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من استهلاك النفط العالمي، ما يعني أن أي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الأسواق العالمية وأسعار الطاقة، ويشعل جبهات الوكلاء من المتوسط إلى الخليج.

​إن القوة العسكرية لا تبني استقراراً، والتجربة في العراق شاهدة؛ حيث رُفع شعار “المهمة أُنجزت” في أسابيع، ثم غرقت المنطقة في فوضى عقود. استهداف القيادات أو البنى الاقتصادية لن يفكك النظام بالضرورة، بل قد يوحد الجبهة الداخلية خلف خطاب “المظلومية”، محولاً الصراع السياسي إلى مواجهة وجودية لا تنتهي. فالضربة التي لا تقصم الظهر تجعل الخصم أكثر شراسة وأقل اكتراثاً بقواعد اللعبة.

​واشنطن اليوم أمام خيارين: إما القبول بصفقة “واقعية” تضمن استقرار الإقليم مقابل تنازلات متبادلة، أو المضي في رهان “الخنق” الذي قد ينهي نظاماً لكنه سيهدم الهيكل الإقليمي كله فوق رؤوس الجميع. القوة العظمى الحقيقية هي التي تملك الشجاعة للتفاوض، لا تلك التي تملك فقط القدرة على القصف. وفي تاريخ هذا الشرق، كانت الجنائز دائماً أطول من مواكب النصر، ويبدو أننا بانتظار مآتم جديدة إذا لم يتغلب العقل السياسي على “هرمون القوة”.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top