
بقلم الياس عيسى الياس
حين اختارت ابنتي “كلارا” (13 عاماً) التخلي عن وسائل التواصل الاجتماعي، لم تكن تحذف برنامجاً من هاتفها فحسب، بل كانت تغادر عالمها الاجتماعي بالكامل. بمجرد خروجها من “مجموعة الدردشة”، أصبحت الغائبة الوحيدة عن خطط أصدقائها وتفاصيل حياتهم اليومية، وكأنها تخلت عن لغتها الأم في مدينة لا تتحدث سواها.
هذه هي المشكلة؛ فوسائل التواصل لا قيمة لها بلا “ناس”، والانسحاب منها بمفردك يعني أن تعيش في عزلة اختيارية قاسية بينما يستمر العالم في الضجيج من دونك. لقد تعلمتُ من تجربة كلارا أن التفويض القانوني والمنع الرسمي يظلان عاجزين أمام سطوة الانتماء؛ فالمعركة ليست مع الشاشات بل مع “الأعراف” التي تجعل الشاشة شرطاً للوجود، وما لم يخرج الجميع معاً بقرار جماعي يكسر صنم الرقمية، سيبقى أطفالنا عالقين في فخ العزلة أو أسرى التبعية.
هذا المأزق الذي واجهته “كلارا” ليس مجرد حالة فردية، بل هو جوهر دراسة تحليلية رصينة نشرها الأستاذان ليوناردو بورستين وكاس سونستين في صحيفة “نيويورك تايمز” (8 أيار 2026). يرى الباحثان أن القوانين الصارمة، مهما بلغت قوتها، تظل عاجزة عن ضبط السلوك الرقمي لأنها تصطدم بجدار الواقع الاجتماعي المتين.
فالتجربة الأسترالية التي بدأت نهاية عام 2025 بحظر الحسابات لمن هم دون السادسة عشرة، لم تفشل بسبب نقص الرقابة، بل لأنها أغفلت ما يسميه الخبراء “نقطة التحول”. وهي تلك اللحظة السحرية التي لا يعود فيها الابتعاد عن الشاشة قراراً مفروضاً من الأعلى، بل يصبح خياراً جماعياً يتبناه المراهقون فيما بينهم كعُرف مقبول وشجاع.
فالسلطة قد تملك القدرة على إغلاق التطبيقات، لكنها لا تملك مفاتيح الانتماء، وما لم يقتنع المراهق بأن قيمته وسط أصدقائه لن تهتز برحيله عن العالم الافتراضي، فإن أي قانون سيظل مجرد محاولة لفرض نظام غريب على واقع يرفضه، ولن يثمر إلا مزيداً من التحايل للعودة إلى الضجيج الرقمي.
الأرقام التي حملتها الدراسة الميدانية للباحثين صادمة ومحبطة في آن واحد؛ إذ تبين أن أقل من ثلث المراهقين (حوالي 27%) فقط هم من انصاعوا للقرار، بينما وجدت الأغلبية الساحقة ألف حيلة وحيلة للبقاء في عالمها الافتراضي. لم يكن الأمر صعباً؛ مجرد تزوير بسيط لتاريخ الميلاد أو استعارة حسابات الأهل كانت كفيلة بكسر هيبة المنع.
لكن الأخطر من كسر القانون هو “نظرة الشلة”؛ إذ يرى نحو نصف الشباب أن الملتزم بقرار الحظر هو شخص “ممل” أو “خارج اللعبة” وفاقد للشعبية.
نحن هنا لا نتحدث عن أرقام جافة، بل عن معركة خاسرة يخوضها نص قانوني جامد ضد “موضة” جارفة وقواعد غير مكتوبة يضعها المراهقون لأنفسهم. وفي هذه المواجهة، لا يربح القانون أبداً؛ لأن الشاب يفضل أن يوصف بـ “المتمكن تقنياً” الذي خدع النظام، على أن يكون “الطفل المطيع” الذي خسر مكانته وسط أقرانه.
إنها حقيقة قاسية: حين يصطدم القانون برغبة المراهق في أن يكون محبوباً ومقبولاً، فإن رغبة القبول تنتصر دائماً.
ولكي نفهم الصورة بشكل أوضح، يعود بنا الكاتبان إلى قصص من واقعنا، مثل حكاية التدخين؛ فالناس لم يتوقفوا عن التدخين بسبب التحذيرات المكتوبة على العلب أو الضرائب المرتفعة فحسب، بل لأن “الجو العام” تغير.
فجأة، لم يعد السيجارة رمزاً للأناقة، بل أصبح المدخن يشعر بأنه شخص غير مرغوب فيه أو “دقة قديمة” في الأماكن العامة.
والأمر نفسه يتكرر اليوم مع شباب هذا الجيل وعلاقتهم بالكحول؛ فالكثير منهم قللوا الشرب ليس خوفاً من الشرطة، بل لأن سهراتهم أصبحت تركز على الصحة والوعي، وصارت فكرة “السكر” في نظر أصحابهم حركة غير جذابة ومرفوضة اجتماعيًا.
هذا هو الضلع الناقص في القوانين التي تحاول محاربة الشاشات؛ فهي تخاطب العقل لكنها تنسى “البرستيج”. فالمراهق سيترك هاتفه فقط عندما يشعر أن إمساكه طوال الوقت يجعله يبدو “تافهاً” في عيون رفاقه، وليس لأن هناك قانوناً يهدده بالمنع.
إن المخرج من هذا المأزق، كما يقترحه المقال، لا يأتي من خلال “شد الحبل” مع المراهقين، بل عبر ذكاء اجتماعي يتحرك في ثلاثة مسارات:
أولاً: إعادة تعريف “الشخصية القوية”؛ فبدلاً من حملات التوعية التقليدية، نحتاج لإقناع المراهق بأن الشخص الذي يملك القدرة على إغلاق هاتفه والتركيز في اللحظة الحالية هو الشخص “المميز” والأكثر ثقة بنفسه، ليكون الاستقلال عن الشاشة مدعاة للفخر وسط أصحابه.
ثانياً: بناء “بدائل حقيقية” تخطف الأبصار؛ فمن الظلم أن نطلب من المراهق ترك عالم “تيك توك” المليء بالألوان، ثم نتركه في فراغ قاتل. الحل في دعم الملاعب والنوادي الفنية التي تشبع حاجته للمرح بعيداً عن أسر الخوارزميات.
ثالثاً: الحل الجماعي لا الفردي؛ فالدراسة تشير إلى أن 72% من المراهقين يتمنون لو تراجع الجميع عن الاستخدام المفرط معاً. هم يطلبون “هدنة جماعية”؛ بحيث يتم الاتفاق بين شلل الأصدقاء على أوقات محددة لإغلاق الهواتف، فلا يشعر أي مراهق بأنه “الخاسر الوحيد”.
في مشهد يتكرر في كل بيت، من أستراليا وصولاً إلى بيوتنا في بيروت، نرى طفلاً يجلس بجسده على الأريكة بين أهله، لكن روحه وعقله “يسكنان” في عالم “تيك توك” الصاخب.
هو حاضر غائب، يبتسم لشاشة هاتفه أكثر مما يبتسم لوجه أمه.
الدرس الأهم هو أن القوانين التي تُفرض بـ أوامر فوقية وتصطدم بعادات الناس، تصبح مجرد كلمات باردة معلقة في الفراغ.
إن النجاح الحقيقي لا يبدأ بقرار حكومي، بل في تلك اللحظة التي يكتشف فيها المراهق أن قيمته لا تُقاس بعدد “الإعجابات” على هاتفه، بل بدفء حضوره الحقيقي ونظرات عينيه لمن يحب.
القانون وحده لن يبني جداراً يحمي أطفالنا، ما لم نحول نحن فكرة “الابتعاد عن الشاشة” إلى قيمة نفتخر بها، لنستعيد حياتنا التي سُرقت منا خلف الزجاج الصامت.
