٩ أفراد بختم أمريكي، وجمهورية تنتظر البريد

بقلم الياس عيسى الياس

دخلت الحزمة الجديدة حيز التنفيذ ليل الخميس. تسعة أسماء شطبت واشنطن حساباتها المصرفية، وربما مستقبلها الدبلوماسي والأمني، بجرّة قلم واحدة تحت بند “مكافحة الإرهاب”. في المقابل، تحركت الآلة الدبلوماسية في طهران لتصدر بياناً يدين ويستنكر “الاعتداء السافر على السيادة اللبنانية”. السيادة نفسها التي لا تُستذكر إلا عندما تهتز الكراسي أو تُكشف الأوراق.
 
بات الأمر يبعث على سخرية سوداء يتداولها اللبنانيون في مقاهي شارع الحمرا وعلى رصيف كورنيش المنارة؛ الجمهورية كلها تحولت إلى صندوق بريد معلق على جدار الشرق الأوسط، يتبادل عبره الكبار الرسائل المشفرة، بينما يدفع المواطن العادي كلفة التوصيل من لحمه الحي وقدرته الاستهلاكية.
 
ولعل حكاية السفير الإيراني المعيّن، محمد رضا رؤوف شيباني، تلخص قصة هذه الأزمة الدبلوماسية الصامتة. فمنذ اللحظة الأولى لوصوله لترتيب أوراق النفوذ الإيراني عقب التحولات الميدانية، لم يكن شيباني مجرد دبلوماسي عادي، بل عُومل كـ “مندوب سامٍ” يتحرك خارج الأطر والأعراف المتبعة بين الدول. ما أثار حفيظة مراجع رسمية في بيروت، دفع بالخارجية في كواليسها إلى اعتباره شخصاً غير مرغوب فيه والمطالبة بمغادرته. غير أن الغضبة الرسمية بقيت مكبلة بوازع الخوف من فائض القوة المحلية، لينتهي المطاف بوضع الختم الأمريكي على اسمه؛ تحولٌ سريع من دبلوماسي مفترض إلى بند أول على لوائح العقوبات الدولية.
  
الجديد هذه المرة، والخطير في آن، هو تسلل اللوائح الأمريكية إلى عمق الهيكل الأمني اللبناني الرسمي. نتحدث هنا عن ضباط في الخدمة الفعلية، في الأمن العام ومخابرات الجيش بالضاحية، إلى جانب نواب برلمانيين من كتلة الوفاء للمقاومة ومسؤولين من حركة أمل.
 
 
المرارة الحقيقية ليست تفصيلاً تقنياً في صراع المحاور، بل هي إعلان صريح لاهتراء فكرة الدولة ومؤسساتها العسكرية التي من المُفترض أن تشكل الحصن الأخير للبلاد. عندما يصبح الضابط الرسمي متهماً بالتنسيق الأمني مع طرف حزبي لحساب أجندة خارجية، ينكشف الغطاء الأخير. تسقط الأوهام هنا دفعة واحدة، ويظهر زيف “الأجهزة الشرعية” المتفلتة من رقابة الدولة.
 
اللبنانيون الذين واكبوا تمديد وقف إطلاق النار الأخير بجرعة مخدرة من الأمل، استيقظوا على حقيقة أن القرار الأمني لبلدهم ليس في السرايا الحكومية ولا في اليرزة، بل هو معلق بين حسابات طهران التي تريد الاحتفاظ ببطاقة لبنان التفاوضية، وبين شروط واشنطن القاسية التي أعلنت صراحة أن هذه الحزمة “ليست سوى البداية”.
 
المفارقة تكمن في ردود الفعل المحلية التي تصر على الهروب إلى الأمام. يخرج بيان من هنا يتحدث عن ترهيب أمريكي عشية لقاءات البنتاغون المقررة في التاسع والعشرين من آيار، ويصدر موقف من هناك يطالب الدولة بحماية ضباطها. لكن أحداً لا يملك الجرأة على طرح السؤال الحقيقي: كيف لبلد يطمح للنهوض الاقتصادي والخروج من قعر الانهيار أن يستمر برأسين وجيشين وسيادتين؟
 
الرهان على أن العواصف الإقليمية قد تعيد إنتاج التسوية العجوز نفسها هو وهم ينتمي لزمن مضى ولن يعود. الشارع المنهك من طرابلس إلى النبطية، والملتصق بشاشات هواتفه لمتابعة أسعار الصرف وأخبار العقوبات، لم يعد يملك ترف شراء هذه البضاعة الفاسدة المعبأة في زجاجات الشعارات العقائدية. السلاح الذي يرفع شعار حماية الوطن تحول في الحسابات الدولية والواقعية إلى العبء الأكبر الذي يمنع هذا الوطن من التنفس. 
 
في التاسع والعشرين من آيار ، سيجلس مسؤولون لبنانيون في البنتاغون. لن يُسأل أحد منهم: ماذا تريدون؟ بل: ماذا يمكنكم تقديمه؟ والفرق بين السؤالين هو الفرق بين دولة وما تبقى منها.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top