
بقلم الياس عيسى الياس
تُطِلُّ ستة وعشرون عاماً على تلك الليلة من أيار عام ألفين، والبلاد تبدو اليوم شاخصة في مرآة عجزها الكامل. ربما لم نعد نملك حتى حق التساؤل كيف وصلنا إلى هنا، كأننا نتأمل ملامح وطن يُساق إلى أقدار لم يكتبها بيديه.
قبل أيام، أصدرت السرايا الحكومية مذكرتها الرسمية لتعطيل الإدارات العامة في ذكرى التحرير. خطوة روتينية ككل عام، لكن حبرها جاء هذه المرة ملغوماً بمرارة انفصام غريب؛ إذ نصّت المذكرة على أن التعطيل يأتي تضامناً مع النازحين وأهالي القرى الأمامية ودعماً لصمودهم.
هذا التناقض نعيشه يومياً، وقد التقى في عُمق أبعاده مع مشهد آخر شهدته البلاد مع حلول عيد الأضحى، حين وجه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون برقية تهنئة تمنى فيها أن يحمل العيد الطمأنينة وأياماً أفضل للبنان.
لكن الواقع اللبناني يحوّل هذه الأدبيات الرسمية، من مذكرات التعطيل الاستباقية إلى تمنيات الرئاسة، إلى وثائق تعلن عجز الشرعية أمام سلطة الأمر الواقع. رئيس الجمهورية، في محاولة لإعادة الاعتبار للمنطق السيادي للدولة عبر ما يمكن تسميته “المواجهة بالمصطلحات”، ضمن برقيته قراءة لاهوتية وسياسية واضحة حين قال إن الرب أراد من تجربة الأضحى أننتعلم كيف لا نضحي بأولادنا ولا نهدر دماءهم، بل أن نفتديهم ونصنع لهم الحياة.
هنا تظهر المفارقة التي تجعل المرء يقف حائراً: دولة تحتفل بتحرير أرضها عبر إغلاق مؤسساتها، ورئاسة جمهورية تطالب بالحق في الحياة في مواجهة ثقافة الموت والقرابين، بينما تبدو السلطتان في حالة تضامن لفظي قاصر مع مئات آلاف المشردين والنازحين من الأرض المحررة نفسها. لست متأكداً إن كانت الحكومة والرئاسة تدركان أنهما تملكان ترف صياغة البيانات فقط، في حين أنهما مجردتان بالكامل من قرار السلم والحرب الذي يحمي الناس فعلياً.
وإذا حاولنا تفكيك تلك الإشارات المبطنة في كلمات رئيس الجمهورية، فالواضح أنها رسائل سياسية مشفرة تضرب العقيدة القتالية لحزب الله في صميمها.
الرئيس، المستند إلى إرث قيادته للجيش وعارف بأثمان الحروب، لم يسمِّ الحزب علانية، لكنه استخدم إسقاطات ذكية لتفكيك السردية التي تقود الجنوب إلى الرماد. الإشارة الأشد عمقاً كانت في سحب القدسية عن الموت المجاني؛ فحين يشدد على عدم التضحية بالأولاد وعدم هدر الدماء والذهاب نحو صناعة الحياة، فهو يصطدم مباشرة بأدبيات الحزب التي تمجد تقديم الأبناء كأضاحٍ مستمرة في معارك إقليمية.
الرئيس يعيد تصويب المفهوم ليقول إن المشيئة الإلهية تطلب حماية الإنسان، وهذه إدانة مضمرة لـ”حرب الإسناد” التي يُدفع فيها الشباب اللبناني إلى جبهات لم تخترها دولتهم. وتكتمل هذه المواجهة بالحديث عن المسؤولية والإيمان بالقدرة “معاً”، وهي كلمات تنفي مشروعية التفرّد بفتح جبهة عسكرية خارج إطار الإجماع الوطني.
وفي مقابل هذا العجز الرسمي، وقف الشيخ نعيم قاسم على المنبر ليُقدّم روايته الأحادية للتاريخ، معلناً أن “نزع السلاح هو نزع لقدرة لبنان الدفاعية تمهيداً للإبادة”. هذا الكلام يبدو في ظاهره شرطاً، لكنه في الحقيقة إلغاء للشرط وتحويله إلى سجن أبدي؛ لأن من يضع الشرط هو نفسه من يملك مفتاح تفسيره.
فمتى تكون الدولة قد أدّت واجبها؟ حين يقرر هو ذلك، وهو لن يقرره. والأخطر أن قاسم أعلن في الخطاب عينه أن من حق الشعب إسقاط الحكومة، وذلك في اليوم نفسه الذي تجرأت فيه هذه الحكومة على المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة. هذا لا يمكن تصنيفه في إطار العمل السياسي الطبيعي، بل هو مجرد ابتزاز علني بالشارع، واستخدام لشعارات الديمقراطية من أجل إلغاء جوهر الديمقراطية والميثاق الوطني.
ولفهم عمق هذا التيه، لا بد من العودة إلى ليلة الرابع والعشرين من أيار عام ألفين. كنتُ كالكثيرين أظن أن الجدار الإسرائيلي الذي انهار بلا قيد أوشرط في الجنوب، هو فجر النهضة الثالثة للبنان؛ فبعد النهضة الأولى التي تمثلت في التنوير الثقافي واللغوي في القرن التاسع عشر، والنهضة الثانية التي تجسدت في الميثاق الوطني ونيل الاستقلال السياسي عام 1943، كان الاعتقاد سائدًا بأن التحرير الجغرافي واستعادة الأرض سيشكلان النهضةالثالثة والأخيرة التي يكتمل بها مشروع الدولة السيادية.
صرخ السيد حسن نصر الله يومها في بنت جبيل عبارته الشهيرة: “إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت”. آمنّا بالكلمة غارقين في النشوة ونبذنا الوعي، واليوم يدفع البلد ثمن تلك الحماسة من لحمه الحي؛ فبيوت العنكبوت حين تسقط في اللعبة الإقليمية، تقتلع في طريقها بيوت اللبنانيين الحقيقية.
بعد ربع قرن، تحوّل منطق الردع إلى مبرر أيديولوجي لحروب مستوردة خاضها لبنان مرغماً، واليوم تحترق قرى الجنوب في حرب لم يقرها مجلس وزراء ولم يستشر فيها أحد.
هذا النمط من الحروب المفتوحة يتناقض مع تجارب حركات التحرر فيالعالم، والتي كانت دائماً تبحث عن اللحظة التي تُسلّم فيها الأمانة للدولة؛ خذ مثلاً نموذج شارل ديغول في فرنسا، الذي لم يربط مصير بلاده بـ”بندقية أبدية” للمقاومة، بل سارع إلى إنهاء الحالة العسكرية الاستثنائية بمجرد استعادة باريس، ليعود القرار للمؤسسات والجيش النظامي.
أما في الحالة اللبنانية، فيبدو أن الجسر يراد له أن يتحول إلى مكان إقامة دائم، بينما يُمنع الوطن من الاستقرار.
هذا الانفصام لم يعد مجرد نقاش سياسي، بل عكسته الوقائع داخل أروقة العدلية قبل أيام في مفارقة تضعنا أمام جوهر الأزمة؛ فالنائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج أصدر قراراً مزدوجاً يختصر المشهد برمته. الرجل رفض ملاحقة محطة LBCI والناشط حسان الخطيب بسبب فيديو كرتوني ساخر ينتقد الشيخ نعيم قاسم، وضمنه تحت خانة حريةالتعبير.
لكنه في المقابل، أحال ناشطين للمحاكمة لأنهم وضعوا حذاءً عسكرياً فوق رأس البطريرك الراعي، معللاً قراراه بأن وضع الحذاء العسكري يرمز لواقع السلاح المتفلت الذي يتحرك خارج الشرعية وخارج قرار مجلس الوزراء. هذامحضر ضبط رسمي صادر عن أعلى مرجعية قانونية، يُقرّ بأن الدولة تعيش حالة خطف موصوفة، وهو قرار يفسر الكثير من حملات التخوين التي تلت صدوره.
هذا الواقع يضعنا أمام الفارق الجوهري بين مقاومة تذوب في الوطن حين تنتهي مهمتها، ومقاومة تتأدلج لتصبح مشروعاً إقليمياً عابراً للحدود لاينطفئ. وحين تضيع جغرافيا القضية وتتشتت بين بيروت وطهران وصنعاء، يصير السؤال مشروعاً: لمن تقاوم هذه المقاومة، ولأيّ وطن؟
إن الإصرار على خندق الحروب المفتوحة يضعنا أمام معضلة حقيقية، إذكيف يمكن إقناع اللبنانيين بجدوى تحرير مستدام، في وقت تُهجَّر فيه قرى الجنوب وتُدمّر حقوله بسبب مواجهة لم يختاروها؟
التحرير الحقيقي لا يُعلَن من منابر الخطابة ليبرر استمرار السلاح، بل يبدأ عندما يعود قرار السلم والحرب إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، وعندما يبسط الجيش اللبناني سلطته على كامل الحدود والتراب، لتتحقق أمنية الرئيس بأن يُعاد العيد على وطننا بالأمن والاستقرار.
ما الذي بقي من تحرير عام ألفين؟ بقيت شعلته الأولى في وجدان الناس الذين أرادوا الحياة والاستقلال، أما مفاعيله السياسية فقد تبخرت في أتون الحسابات الخارجية. والجنوب لن يبعث من تحت هذا الرماد إلا يوم يُرفع الغطاء عن كل سلاح خارج الشرعية، ويتسلم الجيش وحده مقاليد الدفاع.
حتى ذلك الحين، يبقى السؤال معلقاً في حلق الوطن: إذا كان المحتل قد رحل في الليل قبل ستة وعشرين عاماً… فمن يحرر التحرير اليوم؟
