عقيدة المستطيل الأخضر: رونالدو وميسي وصناعة الوثن الكروي

بقلم الياس عيسى الياس
 
قبل أربعة أعوام، وفي مقهى يغص بالدخان والصراخ والانفعال في بلدة”أرده” الزغرتاوية، ومع إطلاق الحكم صافرة نهاية مونديال قطر 2022، لم يصرخ الشاب الجالس في الزاوية فرحاً لانتصار الأرجنتين، بل سقط على ركبتيه باكياً وهو يتمتم: “أخيراً، أخر سناهم جميعاً”.
 
لم تكن تلك دموع مشجع رياضي يسعد بفوز فريقه؛ بل كانت أشبه بدموع متصوف استعاد يقينه بعد سنوات من الشك الوجودي. ساد صمت ثقيل في أرجاء المكان قبل أن تنفجر الهتافات. تلك اللحظة بالذات، التي تكررت بأشكال مختلفة حول العالم، اختصرت واقع اللعبة؛ التشجيع لم يعد هواية، لقد تحول الأمر على يد مشجعين متعصبين إلى ما يشبه الطائفة المغلقة، لها رموزها فوق النقد، وعقائدها الشمولية، وطقوسها، وكراهيتها الجاهزة للآخر الهرطوقي. هل نحن مبالغون؟ راقبوا وسائل التواصل الاجتماعي في أيعطلة نهاية أسبوع لتروا حجم الراديكالية الكروية.
 
لقد أضاف ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو جماليات بصرية واستثنائية غير مسبوقة للملاعب، لكنهما في الوقت نفسه، وربما دون وعي منهما، دشّنا عصر “العبادة الفردية”. في هذا الفضاء الجديد، تحول سؤال “من الأفضل؟” من مقارنة فنية مشروعة بين أسلوبين في اللعب، إلى جدل عقائدي حاد. ولم تعد النصوص المرجعية هنا كتباً، بل أرقاماً وإحصائيات ونسب استحواذ، يُستدل بها لإثبات أحقية النجم بالعرش.
 
كيف وصلنا إلى هذا الجنون؟ الإجابة تكمن في الخوف؛ فكل إنجاز يحققه أحد النجمين كان يمثّل تهديداً زلزالياً لقناعات الطائفة الأخرى، ومواجهة هذا الاهتزاز لم تكن تتم بنقد عقلاني، بل بالهروب إلى الأمام عبر تبشير عنيد لا يتعب، ومبالغة في التقديس والحماية كلما علت أسهم المنافس.
 
هذا الهوس لا يتحرك في فراغ؛ فالنجم لا يعلم بوجود المشجع أصلاً. ومع ذلك، تجد المشجع مستعداً تماماً لخسارة صديق عمره، أو شتم غريب في مقهى، أو قضاء ساعات في صياغة منشورات دفاعية شرسة، كل ذلك حمايةً لكرامة نجمه المفضّل.
 
لماذا كل هذا الاندفاع الحاد؟ لأن أي نقد يوجه للرمز هو طعنة مباشرة في صميم هوية التابع؛ كأن النجم يخوض في الملعب ما عجز المشجع عن خوضه في حياته.
 
كرة القدم نُحتت لتكون لعبة الجماعة، لا منصة لتأليه الفرد. لكن العصر الرقمي أرادها هكذا؛ ساحة صراع بين رعايا يبحثون عن ملوك.
 
من هنا، يمكن فهم الرمزية المفرطة التي رافقت لحظة وضع البشت على كتف ميسي في ليلة التتويج بالدوحة. لم تكن مجرد لقطة بروتوكولية، بل صاغتها الآلة الإعلامية لتكون بمثابة بركة وتتويج مطلق للملك المتوج فوق القمة. كان المشهد مصمماً ليُقرأ هكذا.
 
هذه المشهدية الطاغية حوّلت الفرحة الرياضية عند الجمهور الميسوي إلى لحظة تطهّر كبرى، تخلصوا فيها أخيراً من مخاوفهم وشكوكهم السرية حول تميّز نجمهم المطلق، متسلحين بمونديال الأرجنتين في مواجهة ألقاب رونالدو الأوروبية مع البرتغال. لقد كانت لحظة انتصار عقائدي مؤقت، سمحت لهم بوضع الرمز في مكانة لا تُمس، والالتفات أخيراً إلى تفاصيل حيواتهم العادية التي أهملوها.
 
كنا نظن أن قطار العمر الطويل سيهدئ من روع هذه الطوائف الكروية، لكننا ونحن نعيش اليوم غمار مونديال 2026، نرى النجمين ما زالا يمسكان بتلابيب اللعبة وعقول مريديها، متحديين معاً منطق الزمن والشيخوخة، وكلاهما تجاوز الأربعين أو على أعتابها.
 
فبمجرد أن استهل ميسي مشواره في هذه النسخة بهاتريك تاريخي في شباك الجزائر، عادَل به رقم ميروسلاف كلوزه التاريخي، اشتعلت منصات التبشير لتعود إلى طقوس التقديس، منتظرةً الرد الفوري من رونالدو.
 
غير أن الملاعب تروي فصولاً أخرى؛ فانكفاء البرتغال بالتعادل بهدف لمثله أمام الكونغو الديمقراطية، وصيام الدون عن التهديف معطلاً مؤقتاً خطاه نحو هدفه الألف، تحولا فوراً إلى مادة دسمة للمناكفة بين الكنيستين الكرويتين.
 
وفيما ينطفئ ضوء الشاشة في مقهى “أرده”، يغادر المشجع إلى بيته مثقلاً بهموم نجمه، في انتظار جولة أخرى يثبت فيها لنفسه، عبر شاشة التلفاز، أنه ليس وحيداً في هذا العالم.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top