المفاوضات الأمريكية الإيرانية: فخ الصفقات التي تمنح قبل أن تستوفي

بقلم الياس عيسى الياس

على شاشات الأخبار، تتكرر اللقطة ذاتها بانتظام مألوف: أيدٍ متشابكة فوق طاولة خشبية مصقولة، ووزراء يتبادلون نسخاً مجلدة من اتفاق جديد وسط تصفيق الحاضرين. وخلف هذا المشهد الاحتفالي، يرتكز المفاوضون الغربيون على مسلّمة أن الطرف الآخر لن يحصد المكاسب إلا إذا التزم بالبند الأخير من النص. الحقيقة خلاف ذلك تماماً. هذا التفاؤل يصطدم دائماً بحقائق التاريخ القريب. فالإشكال لا يكمن في مناورات الشريك السلطوي فحسب، بل في بنية العواصم الديمقراطية نفسها، التي تصاب بنوع من الشلل السياسي بمجرد انتهاء حفل التوقيع.

كثيراً ما يجد القادة البرغماتيون أنفسهم مدفوعين نحو إبرام هذه الصفقات، بحثاً عن إنجاز سريع يترجم في صناديق الاقتراع المحلية. وعندما يبدأ الطرف الآخر بقضم الشروط بالتدريج، تقع تلك العواصم في فخ صنيعتها. فالتراجع هنا يصبح مكلفاً جداً، لأن الاعتراف بإخفاق التفاهمات يعني تلقائياً اعترافاً بسوء التقدير أمام جمهور لا يغفر هذا النوع من العثرات.

هذا النمط أقدم مما يبدو. خذ مثلاً اتفاقات “مينسك” التي صيغت لوقف النزاع وتجميده في شرق أوكرانيا؛ حيث قُدمت آنذالك ترتيبات سياسية وأمنية لموسكو وحلفائها مقابل وعود بوقف النار وسحب السلاح الثقيل. ورغم ظهور مؤشرات الانتهاك مبكراً، فضلت العواصم الأوروبية غض الطرف لإرجاء المواجهة. وهي الروح ذاتها التي خيمت على واشنطن في حقبة الحرب الباردة. فبعد توقيع معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية عام1972، رصدت الأقمار الصناعية الأمريكية راداراً سوفيتياً ضخماً ومخالفاً في “كراسنويارسك”. ورغم تيقن إدارة رونالد ريغان من المخالفة، إلا أنها آثرت الاكتفاء باحتجاج دبلوماسي بارد تجنباً لتقويض مناخ التهدئة العام.

هذه التجارب تكشف بوضوح أن الديمقراطيات باتت تخشى إعلان فشلا لاتفاقيات أكثر مما تخشى خرقها الفعلي. وما كنت ألمسه طوال سنوات خلال متابعتي لجولات التفاوض الدولي في قصر “كوبورغ” النمساوي، يثبت أن الحفاظ على “سمعة الصفقة” يتحول لدى المفاوضين إلى أولوية تتقدم على معاقبة من تجاوزها. المشرفون على الاتفاق يتحولون مع الوقت إلى حراس للنص لا لآليات تنفيذه. ومن هنا يبدأ التآكل: يصبح الخرق مجرد وجهة نظر تحتاج إلى تدقيق، بدلاً من كونه انتهاكاً يستوجب الرد.
اليوم، يعود هذا الإرث الفكري ليتصدر المشهد. فالقوى الكبرى التي تبحث عن تسويات سريعة، تميل غريزياً إلى استنساخ الصيغ القديمة ذاتها وتطبيقها على ملفات معقدة كالمنظومة النووية الإيرانية، متناسيةً أن التغاضي لم يُنتج يوماً استقراراً، بل أنتج أزمات مؤجلة.

قد يبدو منطق دعاة التفاوض مقنعاً حين يجادلون بأن الدبلوماسية تظل أقل كلفة من مغامرات التسلح أو المواجهات المفتوحة. لكن هذا السجال يتعامى عن معضلة جوهرية. فحين تُقدَّم التسهيلات الاقتصادية كحافز أولي لاكمكافأة ختامية، تتغير قواعد اللعبة بالكامل. وفي حال فتح الباب أمامتدفقات مالية واسعة وصناديق استثمارية لصالح طهران، فإن هذه العوائدتتحول سريعاً إلى واقع مادي لا يمكن تفكيكه. فالمال الذي يدخل الأسواق لايعود إلى الخزائن بقرار إلغاء مفاجئ. فمن يحاسب من حينها؟ المراهنة هناعلى التزام مؤجل هي مجازفة بلا ضمان مع أنظمة سبق أن أظهرت سلوكاً تفاوضياً متقلباً ومراوغاً.
تكمن هشاشة هذه الصفقات في تقديم المكافآت بصورة فورية مقابلالتزامات مؤجلة. هذه الصيغة تُفقد “التنفيذ التدريجي” معناه السياسي مالم تُنتزع التنازلات السياسية والسيادية الحساسة سلفاً وتحت إشرافمباشر. المعادلة بهذا الشكل لا تصمد. فالبرغماتيون لا يحتاجون أكثر مندقائق لصناعة لقطة تاريخية على منصة التوقيع، لكنهم يتركون لخلفائهممهمة مستحيلة: البحث في ركام الأزمات عن أوراق قوة جرى التفريط فيهافي لحظة تفاؤل عابرة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top