اغتيال الشاب فينا: سطوة الألقاب ووصاية الكلمات

بقلم الياس عيسى الياس

“يا حاج، انتبه للرصيف”.. جملة سمعتُها في سوق شعبي ببيروت قبل سنوات، لم تكن موجهة لي بل لرجل خمسيني بكامل حيويته، لكنها نزلت عليه كحكم إعدام مفاجئ. رأيت وجهه ينقبض، وعدّل من مشيته فوراً ليأخذ وقاراً كاذباً فرضه اللقب. في مدننا، نغتال الشباب داخل الإنسان بكلمة واحدة، ونحيل مجتمعاً كاملاً إلى “عائلة قسرية” تُملي على أفرادها كيف يشيخ ونومتى ينطفئون.
 
في مقهى “لي دو ماغو” (Les Deux Magots) بباريس، راقبتُ سيدة سبعينية تقود دراجتها بخفة، بشعر فضي مصفف بعناية وهندام تضجّ بهالحياة. هي لا تحارب الزمن، بل تعيش معه. هذه الأناقة ليست ترفاً، بل انعكاس لتلك “المسافة المدنية” التي تحمي الفرد؛ ففي باريس، يظل المرء”Monsieur” بغض النظر عن عقود عمره، وهو لقبٌ يحمي فردانيته بدل أن يحكم عليه بتقاعد روحي لم يختَره.
 
تبدأ المفارقة المؤلمة بمجرد أن يطأ إنساننا العربي عتبة الأربعين؛ هنا تتدخل الماكينة اللغوية لضخ ألقاب مثل “عمو” و”حج”. هذه الألقاب، التي نغلفها بغلاف التوقير، هي في جوهرها أداة وصاية اجتماعية؛ تسوير يُلغي الغرابة ويُوهم بالقرابة. بمجرد أن يلتصق اللقب بالمرء، تبدأ رحلة الانحسار الممنهج عن الحياة اليومية؛ فيتخلى الرجل فجأة عن قميصه الملوّن المبهج لصالح ألوان داكنة تحاكي تراب القبر، وتراقب المرأة ضحكتها في الفضاء العام، فتكتمها بظهر يدها خوفاً من لسانٍ يجلدها بتهمة “التصابي” أو عدم احترام سنّها. يُطلب من الأربعيني والخمسيني أن يمارسا دور “الحكيم المعتزل” الذي يكتفي بمشاهدة الحياة بدلاً من خوضها. نحن نشهر سوطاً غير مرئي يُعجّل بالشيخوخة البيولوجية عبر تهميش الروح، وتحويل اللفظ إلى طقس عبور إجباري نحو الهامش. في المقابل، تمنح المسافة المدنية — في أحسن تجلياتها الغربية — الإنسانَ حق امتلاك “عمر ثالث” يتصالح فيه مع ذاته وعقله بعيداً عن هذه الإملاءات.
 
ما الذي يمنعنا من ترك الإنسان يعيش عمره دون وصاية الجماعة؟ ربما هو الرعب من بروز الفردانية، أو الخشية من تحرّره من قوالب الجماعة النمطية؛ فالجماعة هنا لا تطمئن إلا إذا رأت أفرادها يسيرون في طابور واحد متشابه، بلباس واحد، وبخطوات مثقلة بالوقار المفروض. وحين تُسحق الذات داخل بنية اجتماعية ترفض استقلال الفرد، يتحول العمر من تراكم للخبرة والمعنى إلى عبء ثقيل، وتصير السنوات المتبقية مجرد محطة انتظار باردة للرحيل. ألا يمكننا التساؤل بجدية: لماذا نقبل أن تُصادَر أعمارنا بكلمة؟
 
الرجل الخمسيني في السوق البيروتي عدّل مشيته منذ سنوات، وأظنه لايزال يمشي هكذا حتى اليوم.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top