
بقلم الياس عيسى الياس
في الفضاء الرقمي وشوارع العاصمة التي عجّت بمقاطع مصورة لطلاب يحتفون بصخب، بدا المشهد مقلقاً إلى حد الصدمة؛ مظاهر ابتهاج عارمة تجتاح الشارع لم تكن للاحتفال بتفوق أو تخرج، بل للاحتفاء بإسقاط الامتحان نفسه.
هذا المشهد القاسي يضع المجتمع أمام حقيقة عارية، ويشكل انزلاقاً خطيراً في مسيرة التعليم اللبناني الذي طالما شكّل ميزة تفاضلية للبلاد، وفتح لخريجيه أبواب كبريات الجامعات والمحافل الأكاديمية الدولية، بفضل صمودهم المعرفي وتفوقهم المشهود على مر العقود.
وليس قرار الحكومة اللبنانية الأخير بإلغاء امتحانات الشهادة الثانوية العامة والبكالوريا الفنية بجميع فروعها، والاستعاضة عنها بإفادات النجاح، مجرد تدبير إداري فرضته الظروف الأمنية المعقدة وحركة النزوح الواسع؛ بل هو مرآة عاكسة لعمق الأزمة البنيوية التي تضرب صلب هذا النظام التعليمي.
وفي ظل هذا الواقع المرتبك، كان من الطبيعي أن تبحث الدولة عن مخارج تضمن انتقال الطلاب إلى المرحلة الجامعية عبر اعتماد التقييم المدرسي كبديل مؤقت، مشروط بمعايير حد أدنى وتنظيم دورات خاصة للمتقدمين بطلبات ترشيح حرة والراغبين في تحصيل علامات فعلية للخارج.
لكن الإشكالية الحقيقية تجاوزت كواليس المقار الإدارية لتستقر في وعي الشارع وسلوكه.
وهنا يبرز خيط رفيع وفارق جوهري يجب التوقف عنده؛ فمن الظلم مساواة جميع الطلاب بالخلفية ذاتها. إن جزءاً من هذا الفرح قد يكون تعبيراً عفوياً عن ارتياح طلاب نازحين عاشوا شهوراً من الرعب والشتات وفقدان الاستقرار الدراسي، فرأوا في الإلغاء مخرجاً اضطرارياً التقطوا به أنفاسهم.
لكن الأزمة الحقيقية تكمن في تحول هذا التدبير الاستثنائي، في وعي شريحة أخرى، إلى نموذج لـ”الهروب من الامتحان” والاحتفاء بالخلاص من التقييم العلمي كأنه إنجاز. وهي اللحظة التي تكشف حجم التراكمات السياسية المرتبكة التي حوّلت الشهادة الرسمية من صك كفاءة وجدارة إلى عبء ثقيل يُحتفى بإسقاطه.
هذا العبور السهل نحو “زمن الإفادات” يعيد إلى الأذهان تاريخاً طويلاً سقطت فيه هيبة الامتحان الرسمي تحت وطأة الأزمات؛ إذ يتحول هذا التدبير إلى عرف متكرر يستحضر محطات الحرب الأهلية التي غابت فيهاالامتحانات قسراً نتيجة الانقسام والاشتباك.
وصولاً إلى محطات السلم الأقرب كأزمة مقاطعة التصحيح النقابية عام 2014، أو مأزق جائحة كورونا عام 2020. واليوم، ينضم هذا العام إلى القائمة ليعلن سقوطاً جديداً لم تتمكن البلاد من تجنبه، برغم قرب العهد بتجارب صمود مغايرة.
وأمام هذا التكرار، يُطرح سؤال الفعالية والمسؤولية حول مدى استفادة وزارة التربية من خبراتها المتراكمة. فمن الناحية اللوجستية والتقنية، بدت الوزارة أكثر حسماً وسرعة في إنهاء ضبابية المشهد ومحاصرة قلق الطلاب مقارنة بتخبط السنوات الماضية، مستفيدة من قنوات التقييم الرقمي والمدرسي بدلاً من منح إفادات بيضاء مطلقة.
لكن على المقلب التربوي والاستراتيجي، سقطت الوزارة مجدداً في فخ الهروب الأسهل؛ فبدلاً من تطوير خطط طوارئ استباقية تحمي كرامة الشهادة، وبدلاً من البناء على تجربة صيف عام 2024 التي حاولت فيها الوزارة ابتكار صيغ مرنة وتسهيلات ومواد اختيارية لمراعاة التلامذة في المناطق المتضررة دون إسقاط الاستحقاق، فضّلت السلطة التربوية الإلغاءالشامل، معلنة الاستسلام للنمط المتكرر بدلاً من ابتكار حلول ميدانية تحمي الحد الأدنى من المعيار الأكاديمي.
إن تلك المظاهر الهجينة التي رافقت الإلغاء الحالي تشكل إساءة بالغة للجسم التعليمي بأكمله، من معلمين ومديرين وإداريين حملوا رسالة المدرسة في أحلك الظروف، وساهموا في مواجهة سياسات كرستها السلطة لتجريد الاستحقاق التربوي من مضمونه الأخلاقي والعلمي.
إن مواجهة الظروف القاهرة لا تكون بركن قيم الجهد والمثابرة جانباً، بل بابتكار حلول تحمي هيبة المعرفة وتصون كرامة الشهادة اللبنانية؛ لأن استسهال العبور اليوم هو تواطؤ رسمي على صناعة جيل بلا زاد أكاديمي حقيقي، وتخلٍّ صريح من السلطة عن دورها في حماية مناعة الوطن المعرفية.
فهل استسهل صناع القرار العيش في نظام يمنح صكوك العبور دون التدقيق في زاد المسافرين؟بقلم الياس عيسى الياس
في الفضاء الرقمي وشوارع العاصمة التي عجّت بمقاطع مصورة لطلاب يحتفون بصخب، بدا المشهد مقلقاً إلى حد الصدمة؛ مظاهر ابتهاج عارمة تجتاح الشارع لم تكن للاحتفال بتفوق أو تخرج، بل للاحتفاء بإسقاط الامتحان نفسه.
هذا المشهد القاسي يضع المجتمع أمام حقيقة عارية، ويشكل انزلاقاً خطيراً في مسيرة التعليم اللبناني الذي طالما شكّل ميزة تفاضلية للبلاد، وفتح لخريجيه أبواب كبريات الجامعات والمحافل الأكاديمية الدولية، بفضل صمودهم المعرفي وتفوقهم المشهود على مر العقود.
وليس قرار الحكومة اللبنانية الأخير بإلغاء امتحانات الشهادة الثانوية العامة والبكالوريا الفنية بجميع فروعها، والاستعاضة عنها بإفادات النجاح، مجرد تدبير إداري فرضته الظروف الأمنية المعقدة وحركة النزوح الواسع؛ بل هو مرآة عاكسة لعمق الأزمة البنيوية التي تضرب صلب هذا النظام التعليمي.
وفي ظل هذا الواقع المرتبك، كان من الطبيعي أن تبحث الدولة عن مخارج تضمن انتقال الطلاب إلى المرحلة الجامعية عبر اعتماد التقييم المدرسي كبديل مؤقت، مشروط بمعايير حد أدنى وتنظيم دورات خاصة للمتقدمين بطلبات ترشيح حرة والراغبين في تحصيل علامات فعلية للخارج.
لكن الإشكالية الحقيقية تجاوزت كواليس المقار الإدارية لتستقر في وعي الشارع وسلوكه.
وهنا يبرز خيط رفيع وفارق جوهري يجب التوقف عنده؛ فمن الظلم مساواة جميع الطلاب بالخلفية ذاتها. إن جزءاً من هذا الفرح قد يكون تعبيراً عفوياً عن ارتياح طلاب نازحين عاشوا شهوراً من الرعب والشتات وفقدان الاستقرار الدراسي، فرأوا في الإلغاء مخرجاً اضطرارياً التقطوا به أنفاسهم.
لكن الأزمة الحقيقية تكمن في تحول هذا التدبير الاستثنائي، في وعي شريحة أخرى، إلى نموذج لـ”الهروب من الامتحان” والاحتفاء بالخلاص من التقييم العلمي كأنه إنجاز. وهي اللحظة التي تكشف حجم التراكمات السياسية المرتبكة التي حوّلت الشهادة الرسمية من صك كفاءة وجدارة إلى عبء ثقيل يُحتفى بإسقاطه.
هذا العبور السهل نحو “زمن الإفادات” يعيد إلى الأذهان تاريخاً طويلاً سقطت فيه هيبة الامتحان الرسمي تحت وطأة الأزمات؛ إذ يتحول هذا التدبير إلى عرف متكرر يستحضر محطات الحرب الأهلية التي غابت فيهاالامتحانات قسراً نتيجة الانقسام والاشتباك.
وصولاً إلى محطات السلم الأقرب كأزمة مقاطعة التصحيح النقابية عام 2014، أو مأزق جائحة كورونا عام 2020. واليوم، ينضم هذا العام إلى القائمة ليعلن سقوطاً جديداً لم تتمكن البلاد من تجنبه، برغم قرب العهد بتجارب صمود مغايرة.
وأمام هذا التكرار، يُطرح سؤال الفعالية والمسؤولية حول مدى استفادة وزارة التربية من خبراتها المتراكمة. فمن الناحية اللوجستية والتقنية، بدت الوزارة أكثر حسماً وسرعة في إنهاء ضبابية المشهد ومحاصرة قلق الطلاب مقارنة بتخبط السنوات الماضية، مستفيدة من قنوات التقييم الرقمي والمدرسي بدلاً من منح إفادات بيضاء مطلقة.
لكن على المقلب التربوي والاستراتيجي، سقطت الوزارة مجدداً في فخ الهروب الأسهل؛ فبدلاً من تطوير خطط طوارئ استباقية تحمي كرامة الشهادة، وبدلاً من البناء على تجربة صيف عام 2024 التي حاولت فيها الوزارة ابتكار صيغ مرنة وتسهيلات ومواد اختيارية لمراعاة التلامذة في المناطق المتضررة دون إسقاط الاستحقاق، فضّلت السلطة التربوية الإلغاءالشامل، معلنة الاستسلام للنمط المتكرر بدلاً من ابتكار حلول ميدانية تحمي الحد الأدنى من المعيار الأكاديمي.
إن تلك المظاهر الهجينة التي رافقت الإلغاء الحالي تشكل إساءة بالغة للجسم التعليمي بأكمله، من معلمين ومديرين وإداريين حملوا رسالة المدرسة في أحلك الظروف، وساهموا في مواجهة سياسات كرستها السلطة لتجريد الاستحقاق التربوي من مضمونه الأخلاقي والعلمي.
إن مواجهة الظروف القاهرة لا تكون بركن قيم الجهد والمثابرة جانباً، بل بابتكار حلول تحمي هيبة المعرفة وتصون كرامة الشهادة اللبنانية؛ لأن استسهال العبور اليوم هو تواطؤ رسمي على صناعة جيل بلا زاد أكاديمي حقيقي، وتخلٍّ صريح من السلطة عن دورها في حماية مناعة الوطن المعرفية.
فهل استسهل صناع القرار العيش في نظام يمنح صكوك العبور دون التدقيق في زاد المسافرين؟
