
بقلم الياس عيسى الياس
يكفي أن تراقب ذعر الآباء مع بداية كل عام دراسي وهم يحاولون تأمين الأقساط بالدولار النقدي. أو أن تتأمل مشهد المولد الخاص الذي بات يعوض غياب الكهرباء العامة. في هذين المشهدين تختصر حكاية بلد كامل؛ إذيُطلب من اللبناني كل يوم أن يصنع معجزة، لا ليحسن حياته، بل ليستمرفقط على قيدها.
وسط هذا الركام الشامل، لم تعد سردية اللبناني “الحربوق” — وهي اللفظةالعامية التي تلخص ثقافة “الشطارة” والقدرة الفردية الخارقة على الالتفاف على العوائق — مجرد مديح شعبي لطيف لتكيف الأفراد. لقد تحولت، لفرط التكرار، إلى تبرير ثقافي لغياب الدولة. عندما يعتاد المجتمع على الاحتفاء بـ”الشطارة” كآلية دفاعية ضد الكوارث، فإنه يرفع عن السلطة عبء المساءلة. تصبح قدرة الضحية على التكيف ذريعة لإعفاء الجاني من مسؤولية الانهيار.
هذا التحول من الغريزة الشعبية إلى التبرير السياسي يلتقي مع مفهوم”الجدارة” (Meritocracy). والمفارقة أن هذا المفهوم وُلد ساخراً — ابتكره عالم الاجتماع مايكل يونغ عام 1958 تحذيراً من نظام طبقي يتستر بالذكاء— قبل أن تختطفه الأيديولوجيا المعاصرة، لتجعله درعاً يبرر الفوارق الطبقية بادعاء أن موقع الإنسان الاقتصادي يعكس جهده وكفاءته وحدهما، وكأن الظروف المحيطة لا وزن لها.
لكن الأمر لا يقف هنا. الخصوصية اللبنانية تضيف إلى هذا المفهوم بعداً أكثر تركيباً؛ ففي لبنان، لا تعمل شبكات الزبائنية والطائفية على نهب الموارد فقط، وإنما تتنكر في زي الكفاءة والاستحقاق لتشرعن نفسها.
تأمل مثلاً ما حدث في القطاع المصرفي والهيئات المالية المرتبطة به طوال عقود؛ حيث أُعيد تدوير المحاسيب وأبناء النافذين وتصديرهم للجمهور كـ”كفاءات شابة” و”عباقرة هندسات مالية” استحقوا مواقعهم الرفيعة بذكائهم الخارق، لا بامتيازات ولادتهم ونفوذ آبائهم.
وفي المقابل، يُلام المواطن العادي الذي عجز عن دفع فاتورة استشفاء أوقسط مدرسة. يُتهم ضمناً بالتقاعس وفقدان “الشطارة”، لمجرد أنه لم يتقن اللعب بقواعد هذه التراتبية المشوهة.
الذهاب إلى الفلسفة الطاوية القديمة، وتحديداً إلى نصوص الفيلسوف الصيني “جوانغزي”، يتيح لنا أن ننظر إلى هذا الواقع من زاوية مختلفة. اختيار هذا الفيلسوف تحديداً ينبع من كونه عاش في عصر “الممالك المتحاربة”؛ وهو زمن تفتتت فيه الصين إلى كانتونات متناحرة تشبه اللحظة اللبنانية الراهنة. هناك، ظهرت نخب سياسية وإدارية ادّعت الأهلية والتميز لتبرير نفوذها الطاغي، فجاءت فلسفة جوانغزي لتفكك هذا الادعاء، وتكشف كيف تصاغ معايير “النجاح” لتخليد توازنات القوة المادية، وتفضح وهم”العصامية المطلقة” لإنسان معزول عن شروط محيطه.
وفي تعليقه الشهير على الفيلسوف الطاوي “ليتزي”، يستحضر جوانغزي استعارة بليغة. كان ليتزي يملك القدرة على التحليق في الهواء خفيفاً بحرية مطلقة، وبدا كأنه سيد مصيره. لكن جوانغزي يشير إلى التفصيل الذي ينساه الجميع: ليتزي لم يكن يطير بقوته وحدها، بل كانت الريح تحمله وتدفعه إلى الأعلى. وما إن تهدأ، حتى يعود إلى الأرض.
هذه الاستعارة تنطبق في الاتجاهين: إن غياب الريح المواتية، أو انعدام الفرص، هو ما يُسقط من يسقط، تماماً كما أن وجودها هو ما يحمل من يطير. والناجحون في واقعنا اللبناني المأزوم يقعون في الخلط ذاته.
لطالما كان الجهد الفردي حقيقياً ومحترماً. فالطبيب الذي نال أرقى الشهادات ونجح في مهجره بذل عرقاً كبيراً. والمغترب الذي يغزل من غربته نجاة لعائلته خاض معارك شرسة. والعصامي الذي ثبت أعماله وسط الانهيار كافح بلا شك.
لكن هذا الجهد الشخصي لم يعمل في فراغ؛ بل تفاعل مع ريح خفية من الفرص، وحظوظ التعليم، والبيئة، والتوقيت، أو حتى الامتيازات العائلية والطبقية التي فتحت الأبواب في لحظات مفصلية. المشكلة تبدأ عندما تُقاس تجربة المواطن المقيم الذي سحقه الانهيار بالمعايير نفسها، ويُدان لمجرد أنريح الفرص خذلته وسكنت من حوله. وهذا ما يغيب غالباً عن النقاش العام.
لم يكتفِ الفكر الطاوي بهذا التفكيك المعرفي، بل لجأ إلى السخرية السوداء لتشريح القوانين حين تصبح غطاءً للأمر الواقع. يروي كيف أن اللص الصغير الذي يسرق بدافع الحاجة الفردية المحدودة يُعاقب ويُسجن؛ بينما اللص الكبير الذي يملك القوة الكافية يصبح واضعاً للقوانين، ويصيغ القواعد ليجعل من نفوذه الطاغي وضعاً شرعياً لا طعن فيه.
تلامس هذه الحكاية بدقة ما عاشه اللبنانيون خلال انهيارهم المالي؛ فقد وثقت تقارير البنك الدولي، بالتوازي مع كشوفات التدقيق الجنائي، خروج تحويلات مالية ضخمة تعود إلى نافذين وكبار المودعين وبعض المصرفيين أنفسهم في المراحل الأولى للأزمة، بينما بقيت ودائع معظم المواطنين خاضعة لقيود قاسية فرضتها المصارف لاحقاً تحت مسميات تعاميم وقواعد أُقرت بأثر رجعي لشرعنة الواقع المستجد. هنا تتقدم القوة أولاً، ثم تأتي الصياغة القانونية لاحقاً لتبتكر “مشروعية” الناهب ومسؤولية المنهوب.
إن كسر أسطورة الجدارة، في بلد يلتهمه الانهيار، ليس دعوة لإسقاط قيمةالكفاح الشخصي، بل هو محاولة لإنقاذ المواطن من فخ جلد الذات، وتحويل نظره نحو المساءلة البنيوية للنظام.
وربما يكون التحدي الحقيقي اليوم أمام المثقفين والناشطين المدنيين، هو كسر هذا التواطؤ الثقافي المتمثل في الاحتفاء بإنتاج معجزات فردية جديدة قادرة على التأقلم مع العتمة، والانتقال نحو التأسيس لثقافة سياسية تدرك أن كرامة البناء لا تُقاس بقدرة الفرد على النجاة وحده في حلبة البقاء الشرسة.
في النهاية، الدولة العادلة لا تُقاس بعدد الناجين منها، بل بعدد الذين لميعودوا مضطرين إلى النجاة وحدهم.
