
بقلم جوزاف وهبه
يستطيع أن يهلّل نائب الرئيس الياس بو صعب والنائب إدغار طرابلسي (ومعهما كثرة من نوّاب التمديد..) لما أنجزوه من غلبة على وزيرة التربية ريما كرامي (هي، دون شكّ، متشاوفة ودون خبرة، ولو كانت على حقّ)، وبالتالي يستحقّون عن جدارة نيلهم شهادة “حسن سلوك شعبوي” من ناخبيهم / أهالي الطلّاب (وللأسف، من الطلّاب أنفسهم) الذين يفضّلون “الإفادة” على عناء الدرس والإمتحانات واحتمالات النجاح والرسوب:أصلاً، نحن في لبنان (منارة الشرق ودرّة الغرب)، حيث تبدو الحياة سلسة سهلة، غبّ الطلب في كلّ ما يجعلنا نعمّق انتماءنا إلى عالم ثالث ورابع وخامس عشر، جاهدين في سبيل بلوغ قعر التاريخ والجغرافيا والكرة الأرضيّة!
كان الأجدى بوزير التربية السابق بو صعب وبالنائب طرابلسي وصحبهما أن يخجلوا، لا أن يتباهوا.أن يفتّشوا عن صيغة لتقليل الخسائر التربويّة والمعرفيّة، لا أن يعمّموا الجهل سواسية على الجميع.أن يلاقوا مساعي الوزيرة كرامي في منتصف الطريق، لا أن يقطعوا الجسور مع صيغة الإمتحانات.أن يظهروا بعض الأسف، لا أن يغالوا في تصوير أنّ ما تواطأوا على صنعه، إنّما هو “نصر مبين”، يُضاف إلى سياق الإنتصارات الإلهيّة التي تمتدّ من بندر عبّاس إلى تلّة علي الطاهر، ومن قلعة الشقيف إلى مضيق هرمز!
ونوّاب الأمّة ليسوا وحدهم شركاء في هذه الجريمة:هل هناك أشدّ سوءً من أن تهدّد روابط المعلّمين بالإضراب والإمتناع عن مراقبة الإمتحانات، فيما لو جرى الإصرار على التقدّم للشهادات الرسميّة؟تصوّروا هؤلاء القيّمين (وهم باتوا يمثّلون مصالح القوى السياسيّة، ليس إلّا!) على الروابط الحاليّة، ولنتذكّر نضال الروابط السابقة الذين ساهموا – فيما مضى – في رفع شأن المدرسة الرسميّة، وجعل الثانويّات (على سبيل المثال لا الحصر، ثانويّة حسن الحجّة، وثانويّة أندريه نحّاس..) على مستوى تنافسيّ مع كبار المدارس الإرساليّة كالفرير والطليان وعبرين وغيرها من المؤسّسات التربويّة التي صقلت أجيالاً من المتعلّمين الكبار والأكفّاء.المعلّمون، الذين هدّدوا بالمقاطعة، شركاء في الشرّ الذي ارتكبه مجلس النوّاب بدم بارد، ووفق حسابات انتخابيّة ضيّقة.وما الشراكة بين الروابط والنوّاب إلّا الوجه الآخر للتحلّل السياسي – النقابي الذي بات يضرب الحياة الديمقراطيّة في لبنان، حيث استباحت ما يسمّى بالدولة العميقة استقلاليّة (وجوهر ومعنى) العمل النقابي، وحوّلت الروابط والنقابات (وعلى رأسها الإتّحاد العمّالي العام) إلى مجرّد توابع يخدمون مصالح السياسيّين وصراعاتهم الداخليّة، دون أن يعودوا بالنفع على القضايا الخاصّة بكلّ قطاع من القطاعات المنتجة.لقد زال “الحيّز الذهبي” ما بين السياسي والنقابي، ما جعل ويجعل النوّاب وروابط المعلّمين في “خندق واحد” يساهم في كلّ ما هو تسطيح للحياة السياسيّة والنقابيّة والتربويّة!
وعندما نصل إلى الطلّاب نكتشف أمّ المصائب:لقد باتت “الإفادة” مطلباً ملازماً لعقل كلّ طالب يتقدّم إلى الشهادة.يدرس أو لا يدرس، ليس بالأمر المهمّ. يوسّع آفاق معرفته أو لا يوسّعها.ينهل من الكتب وشروحات المعلّمين أو لا ينهل، لم يعد سلوكاً يوميّاً ضاغطاً..طالما أنّ لديه امثال بو صعب وطرابلسي وعطيّة أكثريّة نيابيّة تزيح عنه “هذا الثقل المعرفي” وتفتح له الأبواب أمام شهادات وهميّة موقّعة من وزارة التربية والتعليم العالي، تحت مسمّيات جاهزة على الدوام:”الظروف الإستثنائيّة”، وهي الظروف المستمرّة منذ أكثر من نصف قرن من الزمن، والتي تعطّل شرعاً كلّ أوجه المسارات الصحيحة في البلد، من الإنتخابات النيابيّة، إلى الإصلاحات الجذريّة ومحاربة الفساد، إلى التمديد 6 أشهر لرئاسة الجامعة اللبنانيّة بما فيها من وسائط ومكرمات وعفن، إلى توزيع الشهادات “بمَن حضر”!
ما وصل بنا إلى حدود الفجيعة أنّ الجميع متواطئون في ارتكاب “الخطيئة الأصليّة”:آدم وحوّاء والأفعى في التوراة القديمة..وفي التوراة اللبنانيّة الحديثة، النوّاب والروابط والأساتذة والطلّاب وأهالي الطلّاب.نتشارك جميعاً في دفن العقل، نغسل أيدينا ووجوهنا..ونسير في الجنازة الكبرى بفرح ورضى عظيمين..عظّم الله أجركم، وأجر جميع الحالمين بيوم تربويّ غير أسود، وغير حزين!
