حين تتحدث الدولة تحت القبة: العفو العام بين التضامن الحكومي وحساسية المؤسسة العسكرية


بقلم الياس عيسى الياس

تكشف الجلسات النيابية الحامية، في كثير من الأحيان، ما هو أعمق بكثير من التباين حول بند في جدول الأعمال. فالسجال الحاد الأخير حول عدم إتاحة المجال لوزير الدفاع ميشال منسى لإلقاء كلمة تتصل بالتقدير الأمني للمؤسسة العسكرية، وما تلاه من غياب للوزير عن القاعة، لم يكن مجرد إشكالية إجرائية.
 
بل كشف هذا المشهد عن أزمة أعمق تتعلق بإدارة التوازن بين الانضباط الحكومي وحساسية الملفات التي تحمل شحناً طائفياً وأمنياً كقانون العفو العام. وهنا يبرز السؤال الأساسي: كيف تحافظ الحكومة على تضامنها دون أن تبدو وكأنها تحجب التقدير الفني لمؤسساتها الدفاعية؟
 
ينطلق النقاش الدستوري من المادة 64، التي تحدد أن رئيس مجلس الوزراء هو المرجع الذي يمثل الحكومة ويتكلم باسمها؛ فوحدة الموقف الرسمي من مقتضيات انتظام العمل البرلماني منعاً لظهور السلطة التنفيذية بألسنة متضاربة تحت القبة.
 
وفي مقابل هذا النص، يستند المعترضون إلى المادة 67، معتبرين أن الوزير يملك سلطة دستورية قائمة بذاتها ولا يجوز الحد من حقه في ممارسة صلاحياته بالتعبير عن موقف وزارته.
 
لكن استقلال الوزير لا يعني أن يتحول حضوره في الجلسة العامة إلى مساحة لإعلان موقف موازٍ للقرار الحكومي الرسمي. وفي الوقت نفسه، فإن حضور الوزير أمام البرلمان يفترض أن يؤدي وظيفة توضيحية تعكس الخبرة الفنية والتقدير الميداني، دون أن يتحول الأمر إلى كباش على الصلاحيات.
 
فالدستور إطار لتنظيم العلاقة بين المؤسسات ومنع تحول الاختلاف في الاختصاصات إلى صراع على السلطة.
 
وما يمنح الواقعة أبعادها الحقيقية هو أن رأي قيادة الجيش لم يكن غائباً عن المسار التشريعي؛ فقد عُبِّر عنه في اللجان النيابية المشتركة عبر وزير الدفاع نفسه، وسُلِّمت بشأنه مذكرة خطية إلى رئاسة المجلس.
 
بالتالي، لم يكن أصل الخلاف على حجب المعطيات العسكرية، بل على توقيت تكرار طرحها بعد أن أصبحت التقديرات الرسمية معلومة لدى المعنيين بالتشريع.
 
ومع ذلك، تصطدم هذه القواعد المنظمة في ملف كالعفو العام بواقع معقد يمسّ توازنات اجتماعية وأمنية دقيقة؛ فالاستماع إلى تقييم المؤسسات المختصة يضمن ألا يتحول العفو إلى فوضى، ولا الحزم إلى انغلاق.
 
بيد أن الجانب الأكثر حساسية في المشهد تمثّل في السرعة التي تحوّل بها السجال المؤسسي إلى شحن فئوي، عبر إشاعة أجواء تظهر تحفظات المؤسسة العسكرية وكأنها في موقع المواجهة مع الشارع السني ومطالبه في ملف الموقوفين.
 
إن استحضار هذا التفسير الفئوي يُعد مساراً بالغة الخطورة؛ فالجيش يمثل إحدى القواعد الجامعة القليلة التي يتطلع إليها المواطن بثقة.
 
وتجلت هذه الحساسية في موقف وزير الدفاع حين ذكّر بمسيرته الطويلة في المؤسسة العسكرية العابرة للاصطفافات المذهبية، مؤكداً ضرورة إبعاد المؤسسة عن الحسابات الضيقة.
 
وفي السياق نفسه، اختلفت الروايات حول ما دار داخل القاعة في لحظة الاحتقان؛ إذ أشار بعض النواب إلى أن الخلاف حمل تحذيرات من وضع الجيش في مواجهة مع مكون طائفي رئيسي، بينما شددت بيانات السراي الحكومي لاحقاً على رفض استغلال الملف أو الاصطياد في المياه العكرة، مؤكدة الحرص على عدم إظهار الجيش كطرف في أي نزاع.
 
وسواء قُرئت الواقعة من زاوية التوتر اللحظي أو التوضيح الرسمي اللاحق، فإن الأكيد هو ضرورة ضبط الخطاب العام لتجنب الانزلاق نحو تصعيد يهدد الاستقرار الأهلي.
 
من هنا، ينبغي أن تُقرأ ملاحظات المؤسسة العسكرية على أي تشريع أمني حصراً من زاوية مسؤوليتها المباشرة عن ضبط الاستقرار، بعيداً عن أي إسقاطات سياسية.
 
والدرس الأبرز هو أن التشريعات الحساسة لا تُدار بمنطق المغالبة أو الشحن الفئوي. فالدولة القوية لا تُسكت أصوات مؤسساتها المختصة، ولا تسمح في الوقت نفسه بتعدد المرجعيات داخلها؛ بل تكمن قوتها في القدرة على الجمعبين وحدة القرار وتعدد الخبرات، وبين صرامة الدستور وحساسية الواقع.
 
وتحت القبة تحديداً، لا ينبغي أن يتحول الاختلاف على التعبير عن موقف الدولة إلى اختلاف على الدولة نفسها.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top