“حقكم أن تغضبوا… واختزنوه”: حين يتحول الغضب إلى وقود سياسي

بقلم الياس عيسى الياس
 
هل نستخدم الغضب لبناء المستقبل، أم نستخدم المستقبل لإدامة الغضب؟ هذا السؤال هو الفاصل الحقيقي بين مشروع وطن يطمح إلى إنقاذ الإنسان اللبناني من مآسيه المتراكمة، وبين سلوك سلطوي يرى في السخط الجماهيري مجرد قوة تعبوية قابلة للإدارة والتجميد.
 
حين يطالب أمين عام حزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في كلمته المتلفزة بـ«اختزان الغضب في الصدور… للوقت المناسب»، ملوّحاً بتحميل المسؤولية لمن يعامل المقاومة وأهلها كخصوم، فإن الإشكالية لا تكمن في أصل الغضب؛ إذ لا يمكن مطالبة متألمٍ بأن يكبت لوعته أمام حجم الفقد.
لكن الخلل يكمن في صدور توجيه يترجم هذا الحزن العفوي إلى أدوات هيمنة داخلية.
 
وقد ناقشت الفلسفة الغضب بوصفه استجابة إنسانية للضرر؛ ففي كتاب”الخطابة”، عرّفه أرسطو كرغبة مؤلمة بالانتقام.
أمّا مارثا نوسباوم فميّزت في “الغضب والغفران” (2016) بين نوعين: «الغضب الانتقالي» الباحث عن العدالة والتغيير، و«غضب الوضع والمكانة» الغارق في شهوة إخضاع الخصوم.
 
قد يُقال إن دعوة قاسم تأتي ضمن “الردع الاستراتيجي” في وجه الخارج، لكن ربط الاختزان بـ “الوقت المناسب” يضعنا أمام سؤال السيادة؛ إذ تدار خيارات الحرب والسلم بمعزل عن المؤسسات الدستورية، فيما تُستحضر التبعات في الداخل لترهيب المخالفين وإلغاء شركاء الوطن لصالح سلطة موازية.
 
إن مراجعة المحطات المفصلية تكشف التطبيق العملي لـ «غضب الوضع والمكانة» كلما اهتزت التراتبية السلطوية. يتجلى ذلك تاريخياً في اعتصام وسط بيروت (2006 – 2008)، حيث أدارت المنظومة الغضب الشعبي كـ”أداة تعطيل” لشلّ المؤسسات، قبل أن يترجم هذا الشحن في أحداث 7 أيار 2008 بفرض معادلة ألّا صوت يعلو فوق السلاح.
 
وتكرر المفهوم ذاته إبان ثورة 17 تشرين 2019 عبر شيطنة الحراك ونزول المجموعات لإعادة فرض السيطرة الشارعية بالقوة.
 
كما ظهر المنطق نفسه في الشحن ضد القضاء إبان التحقيق في انفجار المرفأ، والذي فسّره كثيرون كخلفية أدت إلى مواجهات الطيونة عام 2021 لترسيخ سقف الحصانات.
 
في ضوء علم النفس الاجتماعي ونظريات “الهيمنة الاجتماعية” — التي تُبنى فيها هوية الجماعة على رفض المساواة مع شركائها — يُفسَّر هذا السلوك بأن الجماعة الموجهة ترى في أي مطالبة بسيادة القانون “تهديداً وجودياً”.
يُجرد الخصم الداخلي من وطنيته، ويُقمع التعاطف الداخلي لحماية المشروع الأكبر، مما يحول الغضب إلى استراتيجية تجرد الآخرين من الأهلية.
 
إن تجميد هذا الغضب وتوجيهه نحو الداخل يجعل المجتمع أمام احتمالين: إما انفجار التفكك عبر ردود فعل طائفية متقابلة تدفع نحو التقسيم وشلل الدولة، وإما غضب التغيير البنيوي الذي يحول الألم المعيشي إلى موجة مدنية تفرض حكم القانون.
 
تؤكد تجارب الأمم أن بناء الدول لا يتم بادخار المشاعر كوقود دائم للنزاع. فحين قاد نيلسون مانديلا أمة ممزقة، لم يغرق في إعادة إنتاج المظلومية، بل جعل المحاسبة والعدالة جزءاً من بناء الدولة.
 
وهو المسار الذي يحتاجه لبنان: الانتقال من المحاصصة إلى العدالة الانتقالية وبناء قضاء مستقل، بدل الاستمرار في نفي الدولة لصالح سلطة موازية.
 
إن تحويل الغضب إلى مورد سياسي مفتوح ليس سوى استنزاف لمجتمع أنهكته الحروب. فالغضب الذي يُختزن انتظاراً للثأر والسيطرة لا يحتاج إلى عدو كي يستمر، بل يحتاج فقط إلى جيل جديد تُصادَر إرادته.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top