
بقلم الياس عيسى الياس
هل نفتح كتب الأجداد لنستريح في ظلالها، أم لنختبرها في ضوء أسئلتنا اليوم؟
كثيراً ما أجد نفسي، حين أريد الاستراحة من كتابة المقالات السياسية والتعمق في صراعات السلطة وأخبار المنطقة المتشابكة، أهرب إلى التراث.
أبحث عن مساحة أتطهر فيها من جفاف السياسة؛ فألجأ أحياناً إلى بيت شعر غزلي رقيق، أو أغوص في سيرة أدبية قديمة، أو أتأمل موقفاً فلسفياً خافتاً، أو أستمتع بلطف معزوفة موسيقية تعيد للروح توازنها.
أقرأ وأسمع، فأشعر بنوع من الأمان والسكينة، وكأنني ألوذ بحصن دافئ بعيداً عن ضجيج المقالات التحليلية ومعارك الواقع.
لكنني في كل مرة أعود لأتساءل: هل يكفي أن نلجأ إلى الماضي لنرتاح فيه من هجير الحاضر؟
فالجمال الذي لا يرافقه عقل يفكك أسبابه قد يتحول إلى عزاء زائف، والحنين الذي لا يرافقه وعي نقدي يصير قيداً يشدنا إلى الخلف كلما حاولنا أن نخطو خطوة واحدة نحو الغد.
هذا التردد بين دفء العاطفة وصوت العقل هو بالضبط ما لمسته في تجربة طه حسين.
لم يكن الرجل شخصيتين متصارعتين، واحداً يحب الأدب وآخَر يريد أن يقتله بالنقد؛ بل كان إنساناً كاملاً، يملك قلباً يتذوق الجمال الشفيف وعقلاً يرفض أن يتحول الحب إلى تسليم أعمى.
حين كتب «حديث الأربعاء»، أخذ بأيدينا إلى عوالم الحب وحلاوة اللفظ وعذوبة الشعر.
وحين أصدر كتابه «في الشعر الجاهلي»، لم يستغنِ عن حبه للغة، بل أراد أن يحمي هذا الحب من السذاجة. كان يقول لنا بلسان الحال: إن احترامنا لما ورثناه لا يعني أن نلغي عقولنا، وأن المحبة الحقيقية للتاريخ هي أن نملك الجرأة لمساءلته.
هناك فرق كبير ألمسه دائماً بين من ينقد النص ومن يريد هدمه.
الهدّام يقترب بسكين ليقطع الصلة بالماضي، أما الناقد الحقيقي فيقترب بعين المحب الحريص، يزيل ما تراكم على المعرفة من حكايات وانحيازات صنعتها ظروف أزمنة غابرة. النقد ليس كراهية لما مضى، بل هو أعلى درجات الاحترام له.
حين اندلعت الأزمة الكبرى عام 1926، ووقف طه حسين أمام النيابة العامة بسبب أفكاره، لم تكن المعركة مجرد خلاف على بيت شعر أو قصيدة قديمة.
كانت المعركة تمس كل واحد منا: هل من حقنا أن نفكر ونتساءل ونفحص ما يصنع وعينا؟ أم أن قدرنا أن نستهلك ما يُملى علينا ونكرره بلا تفكير؟ وكان القرار التاريخي بحفظ التحقيق ينتصر لحق العقل البشري في أن يبحث ويفكر دون خوف.
واليوم، حين أنظر إلى الشاشة الصغرى في يدي وأرى سيل الأخبار والشائعات والصور التي تتطاحن في كل ثانية، أجد أن معركة طه حسين لم تنتهِ، بل انتقلت من رفوف المخطوطات إلى جيب كل واحد منا.
قد يبدو الفارق شاسعاً بين قصيدة أُنشئت قبل ألف عام وبين منشور يمر أمام أعيننا على الهاتف في ثانية واحدة، أو بين بحث أكاديمي يستغرق سنوات وتحقق آني نُطالَب به في ثوانٍ؛ لكن السؤال الإنساني والمعرفي واحد: كيف نعرف أن هذا الذي نقرؤه حقيقي؟
ما كان يطرحه طه حسين عن ضرورة التثبت والتأكد هو عين ما نحتاج إليه اليوم لكي لا نقع ضحايا للتضليل والزيف. الشك المنهجي هنا ليس دعوة للضياع أو إنكار الحقائق، بل هو شمعة نوقدها كي لا نمشي في الظلام نصدق كل ما يُقال.
قد نختلف مع بعض النتائج التي وصل إليها طه حسين، وهذا أمر طبيعي في حركة الحياة. فقيمة هذا الرجل لم تكن في إعطائنا إجابات جاهزة نرددها، بل في أنه فتح لنا باب الفكر الحر.
المشكلة الحقيقية التي تواجهنا اليوم ليست: هل كان طه حسين مصيباً في كل رأي قاله؟ بل هي: هل نملك نحن اليوم الشجاعة نفسها لنفكر، ونفحص، ونميز بين الحق والباطل في كل ما يدخل عقولنا؟
إن المجتمعات التي تخاف من السؤال لا تحمي تاريخها؛ إنها ببساطة تحمي خوفها منه.
