%140 من السكان: مفارقة التدين في اليابان”هم يمارسون الحياة فحسب”

بقلم الياس عيسى الياس

في حديثٍ مع ابن عمتي المقيم في طوكيو منذ أكثر من عقد، والمتزوج من يابانية، استوقفتني ملاحظة رواها بعفوية وهو يعرّفني على بيته هناك. كان يتحدث عن الاستقرار العائلي، وكيف يحتضن البيت مذبحًا بوذيًا صغيرًا لتكريم الراحلين من أجداد زوجته، وإلى جواره رفٌ خشبي لطيف من طقوس “الشينتو” لاستجلاء بركات الطبيعة.

حين سألته مازحًا عن الدين الذي يتربى عليه ولداه، ضحك وقال إن هذا السؤال في الشارع الياباني يُقابل باستغراب، ثم أردف ببساطة: “هم يمارسون الحياة فحسب!”.

تذكرتُ حديثه وأنا أقرأ بيانات وكالة الشؤون الثقافية اليابانية؛ إذ تشير الإحصاءات الرسمية لنسب المنتسبين للمؤسسات الدينية إلى أن نسبة أتباع الشينتوية تقارب 70%، بينما تسجل البوذية زهاء 67%.

النتيجة الظاهرية هي أن النسبة الإجمالية للانتماءات الدينية تتجاوز 140% من السكان. يرجع ذلك إلى أن كثيرًا من اليابانيين يُسجَّلون ضمن أكثر من تقليد ديني في الوقت نفسه، لأن الإحصاءات تعتمد على كشوفات المعابد والطقوس، لا على هوية دينية حصرية لكل فرد.

في المنطق الرياضي، تبدو هذه النسبة خطأً حسابياً، أما في الواقع الياباني، فالرقم يعكس طبيعة الثقافة المحلية.

تشير الأبحاث الأنثروبولوجية في هذا السياق إلى أن التدين يعتمد بالأساس على الطقس الاجتماعي والممارسة اليومية، لا على اعتناق أفكار أو نصوص محددة.

يرتبط فهم هذا الرقم بتناغم تاريخي بين الشينتوية والبوذية؛ فالأولى ديانة محلية تركز على الأرواح والقوى الكامنة في الطبيعة، وتُستحضر طقوسها عند ولادة الأطفال وفي مهرجانات استقبال الربيع.

بينما تركز البوذية على الفلسفة وطقوس تذكر الموتى، ولذا تختص بالمآتم واستحضار الراحلين من الأجداد.

ولم تقف هذه التعددية عند حدود الديانتين المحليتين، بل امتدت لتستعير أشكالاً احتفالية من الخارج؛ إذ يلجأ عدد كبير من اليابانيين إلى إقامة حفلات زفاف ذات طابع مسيحي، إعجابًا بالطابع المبهج للطقس وثوب الزفاف الأبيض، ليتنقل الفرد بين ديانات متعددة في محطات حياته دون التعرض لأي تناقض مفاهيمي.

في مهرجانات “الماتسوري” الشعبية، يتطوع شباب لخوض طقس تطهير يُعرف باسم “الميسوغي”، فيقفون في البرد القارس لتنهال عليهم المياه المتجمدة.

حين تسألهم عن السبب، لا يجيبون بعبارات لاهوتية معقدة، بل يتحدثون بعفوية عن احترام التقاليد، والارتباط بأبناء بلدتهم، وجلب الخير لمجتمعهم.

ولا يتوقف هذا البعد الاجتماعي للطقس عند المهرجانات الكبرى، بل يمتد إلى طلب المنافع العملية المباشرة؛ إذ يقصد الناس المزارات التماسًا للتوفيق في الامتحانات، أو السلامة على الطرقات، أو الشفاء من الأمراض.

يتعامل اليابانيون مع هذه الشعائر بوصفها ممارسة تبعث الطمأنينة في النفس، أكثر منها إعلانًا عن التزام عقائدي.

يدفعنا النموذج الياباني إلى إعادة التفكير في الطريقة التي نفهم بها الدين والهوية؛ فليس كل انتماء إعلانًا عقائديًا صارمًا.

وحين تذكرتُ ضحكة ابن عمتي، أدركتُ أنها اختصرت روح هذه الثقافة: ثقافة ترى أن الإنسان قد يجد معنى الانتماء في المشاركة والذاكرة والطقس. وهكذا يتحول الرقم الذي بدا مستحيلاً في علم الإحصاء إلى نافذة استكشاف حقيقية.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top