
بقلم الياس عيسى الياس
تأملتُ كثيراً في الرقم الذي تقدمه وزارة المالية في مشروع موازنة 2027: “صفر عجز”. في عالم الحسابات، يبدو هذا الصفر إنجازاً مدهشاً يدعو للارتياح؛ فالإيرادات تتساوى مع النفقات على الورق.
لكن هذا الصفر، حين يوضع إلى جانب الواقع اليومي للبناني، لا يبدو كافياً للاحتفال. فالتوازن الصوري لا يعني تعافي الاقتصاد، بل يشير إلى أن الخزينة توازنت فقط لأنها اقتطعت ثمن هذا التعادل من قوت الناس وعرقهم.
ليس المهم كم ستجمع الدولة، بل كيف وصلت إلى هذا التطابق الرقمي وعلى حساب من.
حين يكرر المسؤولون شعار “لا ضرائب جديدة”، تبدو الصورة متفائلة. غير أن الغوص في التقرير التوضيحي لوزارة المالية يكشف واقعاً آخر؛ إذ يبلغ حجم الموازنة نحو 614.9 تريليون ليرة (نحو 6.87 مليارات دولار)، فيما يستهدف المشروع رفع الإيرادات الضريبية بأكثر من 20%.
إن زيادة الإيرادات تتأتى من توسيع الوعاء الضريبي، وتكثيف الجباية، وزيادة الرسوم القائمة. والنتيجة هي أن المواطن يجد نفسه أمام أعباء مالية مضاعفة تحت عناوين مختلفة.
تُبنى هذه الحسابات الحكومية على أمل كبير في تحصيل الأموال وسط اقتصاد يعاني تضخماً ممتداً، ودون تقديم حقيقة المالية العامة عبر “قطع حساب” شفاف للسنوات الماضية.
وغياب هذه الشفافية يحول التقديرات المتفائلة إلى مجازفة تكرر أخطاء الماضي؛ فحين يصطدم التخطيط بالواقع، تضطر الحكومة لفتح اعتمادات إضافية وتأمين موارد طارئة، تماماً كما حدث عند إقرار زيادات الرواتب الأخيرة.
وما يزيد الخلل عمقاً هو أن أكثر من ثلاثة أرباع الضرائب المستهدفة هي ضرائب غير مباشرة، وعلى رأسها ضريبة القيمة المضافة (TVA) التي يُراد رفعها إلى 12%.
تصيب هذه الضريبة الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط في صلب قدرتها الشرائية، لأنها تنفق النسبة الأكبر من دخلها على الاستهلاك الأساسي. فالمعدل وإن كان واحداً عند صندوق الدفع، إلا أن أثره غير متكافئ على ميزانيات العائلات.
وحتى الإجراءات الموجهة نحو الشركات الكبرى أو البيوع العقارية، فإن منطق السوق يفرض انتقال جزء من كلفتها إلى المستهلك النهائي.
وهنا تكتمل الدورة المفرغة التي يعانيها المواطن: تمنح الدولة الموظفين زيادة في الرواتب بيمينها، لتعود وتستردها بيسارها عبر التضخم والضرائب الاستهلاكية، فتتآكل الزيادات قبل أن تستقر في ميزانية الأسرة.
وتتبدى الترجمة الميدانية لهذا المأزق في الإدارة العامة اليوم؛ حيث تجسد إقفالات سرايا طرابلس والتحركات النقابية أصل الأزمة.
فدعوات الإضراب الصادرة عن رابطة الموظفين والاتحاد العمالي العام، وتمسك النقابات بأن الحلول الترقيعية لم تعد تجدي نفعاً، تشكل شاهداً حياً على أن التعادل المعلن على الورق يقابله شلل حقيقي في خدمات الدولة، وعجز عن تأمين مقومات الصمود الأدنى للموظف والمواطن.
وعلى الجانب الآخر من المعادلة، يطرح توزيع النفقات سؤالاً حول سلم الأولويات. تظهر أرقام المشروع أن أكثر من نصف الموازنة يُخصص للرواتب والنفقات الجارية، بينما لا تتجاوز اعتمادات اكتساب الأصول الثابتة نحو 10.8%.
هذه النسبة المحدودة تعني أن الدولة تصرف لتغطية التشغيل اليومي لا لتبني مستقبلاً استثمارياً أو ترمم بنية تحتية متداعية.
وفي الاتجاه نفسه، تظهر التفاوتات في الموازنات التشغيلية، حيث تفوق حصة وزارة الدفاع ضعف حصة وزارة الصحة، مما يعكس تحيزاً في توزيع الموارد على حساب الرعاية الاجتماعية والصحية.
يمتد هذا التراجع إلى القطاعات الأساسية كالمنافع المخصصة للتعليم الرسمي والجامعة اللبنانية. إن استمرار هذا المسار يهدد بتوسيع الفجوة الطبقية بين من يستطيع تحمل كلفة التعليم الخاص ومن يعتمد على المؤسسات الرسمية.
وفي بلد كان التعليم الرسمي فيه المحرك الأساسي للحراك الاجتماعي، فإن ضعف إمكانياته يتحول مباشرة من رقم مالي إلى قضية اجتماعية بامتياز.
إن ضبط مالية الدولة وتقليل العجز أهداف أساسية، لكن النهج المتبع هو الذي يحدد النتائج. فإذا كان الهدف المحوري هو أن تتساوى الخانات في جدول الحسابات الحكومية لنقول إننا حققنا “صفر عجز”، فقد يتحقق ذلك حسابياً.
أما إذا كان الهدف هو حماية المجتمع، فإن الموازنة تتحول من جدول أرقام جاف إلى قرار إنساني وأخلاقي حاسم: قرار يحدد من يحمل العبء، وأين تُستثمر الموارد.
فالموازنة ليست مجرد توازن بين إيرادات ونفقات؛ إنها خيار يحدد ما إذا كان هذا الصفر المالي قادراً على صناعة تعافٍ حقيقي… فالنجاح الحقيقي ليس أن تصل الدولة إلى الصفر، بل أن لا يصل المواطن إلى الصفر.
