الشرق الأوسط الجديد (١٠)عندما يفقد الإنسان احتكاره لصناعة التاريخ

بقلم د. نواف كبارة

يقف العالم اليوم على أعتاب تحول قد يكون أعمق من كل التحولات التي عرفتها البشرية منذ بداية العصر الصناعي. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد اختراع جديد يضاف إلى سلسلة الاختراعات البشرية، ولا مجرد أداة أكثر سرعة وكفاءة من الحاسوب. نحن أمام احتمال نشوء بنية معرفية جديدة قد تغير علاقة الإنسان بالمعرفة والعمل والاقتصاد والحرب والسلطة، بل وربما بموقع الإنسان نفسه في صناعة التاريخ.

من الثورة الصناعية إلى الثورة المعرفية

قسمت الثورة الصناعية العالم بين دول امتلكت المصانع والآلة ورأس المال والتكنولوجيا، ودول بقيت اقتصاداتها زراعية وتقليدية. ولم يكن هذا الانقسام اقتصادياً فقط، بل تحول إلى تفاوت هائل في القوة السياسية والعسكرية والعلمية.
ثم جاءت الثورة الإلكترونية والحواسيب، فأصبح التفوق مرتبطاً بصورة متزايدة بالقدرة على إنتاج التكنولوجيا والمعلومات والبرمجيات، وليس فقط بإنتاج الحديد والسيارات والآلات.
ومع الإنترنت وثورة الاتصالات ووسائل التواصل، دخل العالم مرحلة جديدة. تقلصت المسافات، وانتقلت المعرفة عبر الحدود بسرعة غير مسبوقة، وتوسعت العولمة الاقتصادية والثقافية، وأصبح الوصول إلى المعلومات متاحاً لمليارات البشر.
لكن هذا التطور أنشأ بدوره انقساماً جديداً: بين من ينتج التكنولوجيا والمنصات والخوارزميات والمعرفة الرقمية، وبين من يكتفي باستخدامها واستهلاكها.
واليوم نقترب من انقسام أخطر بكثير: بين المجتمعات التي ستشارك في إنتاج الذكاء، والمجتمعات التي ستعيش تحت تأثير ذكاء ينتجه الآخرون.

نهاية الاحتكار البشري للمعرفة؟

منذ بداية التاريخ المكتوب كان الإنسان هو الفاعل الأساسي في صناعة تاريخه. اخترع الأدوات، وبنى المدن، وأسس الدول، وكتب الكتب، وخاض الحروب، وأنتج العلوم والأديان والفلسفات.

أما اليوم فقد بدأ الإنسان ببناء أنظمة قادرة على معالجة كميات من المعلومات تفوق قدرة أي فرد، وعلى إنتاج النصوص والصور والبرمجيات، والمساعدة في البحث العلمي واتخاذ القرار.
وهنا تكمن خصوصية الثورة الحالية.
فالآلة الصناعية ضاعفت قوة عضلات الإنسان. والحاسوب ضاعف قدرته على الحساب والتخزين. أما الذكاء الاصطناعي فيدخل مباشرة إلى المجال الذي اعتبره الإنسان جوهر تفوقه: القدرة على التفكير والتحليل وإنتاج المعرفة.
وهذا لا يعني أن الآلة أصبحت إنساناً أو أنها تمتلك بالضرورة وعياً مستقلا (رغم ان هذا ممكن) لكنه يعني أن الإنسان لم يعد المنتج الوحيد للمعرفة المعقدة التي تؤثر في القرارات البشرية.
ومن هنا قد يبدأ تحول تاريخي لم نعرف مثله من قبل.

عالم العمل سيتغير

ستختفي وظائف، وستتقلص وظائف أخرى، وستظهر مهن لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة.
لن يكون التأثير محصوراً بالعمل اليدوي. المحامون والأطباء والمهندسون والمدرسون والمحاسبون والمترجمون والمبرمجون والإعلاميون والباحثون أنفسهم سيجدون أن جزءاً متزايداً من أعمالهم يمكن أن تنفذه أنظمة ذكية.
وسيصبح السؤال الاجتماعي الكبير:
ماذا يحدث لمجتمع يقوم اقتصاده على العمل عندما تصبح الحاجة إلى جزء كبير من العمل البشري أقل؟
وقد يعيد ذلك فتح النقاش حول توزيع الثروة، وساعات العمل، والتعليم، والضمان الاجتماعي، وربما مفهوم الدخل والعمل نفسه.
ثورة في الطب والفضاء والمعرفة
في المقابل، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفتح أمام البشرية آفاقاً مذهلة.
قد يسرّع اكتشاف الأدوية، ويساعد في فهم الأمراض، ويطور التشخيص والعلاج الشخصي، ويدفع الأبحاث المتعلقة بالشيخوخة والجينات إلى مستويات جديدة.
وفي الفضاء، يمكن للأنظمة الذكية أن تساهم في تصميم المركبات وتحليل البيانات وإدارة المهمات المعقدة واستكشاف بيئات لا يستطيع الإنسان الوصول إليها بسهولة.
وقد تتغير كذلك طريقة كتابة التاريخ نفسه. فمع القدرة على تحليل مليارات الوثائق والنصوص والصور والآثار والبيانات، يمكن إعادة اختبار الكثير من الروايات التاريخية والمعرفية التي اعتبرناها مستقرة.
لن يصبح السؤال فقط: ماذا نعرف؟
بل أيضاً: كم مما نعتقد أننا نعرفه سيبقى صحيحاً عندما تصبح قدرتنا على تحليل المعرفة أكبر بآلاف المرات؟
من السلاح النووي إلى السلاح الذكي
لكن الوجه الآخر لهذه الثورة أكثر خطورة.
لقد عاش العالم منذ منتصف القرن العشرين تحت تهديد السلاح النووي. أما القرن الحادي والعشرون فقد يضيف إليه سباقاً على الأسلحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي: أنظمة ذاتية التشغيل، وحروب إلكترونية، وطائرات ومسيرات ذكية، وأنظمة مراقبة واستهداف واتخاذ قرار تتزايد فيها سرعة الآلة مقارنة بسرعة الإنسان.
وهنا يصبح السؤال الأخلاقي والسياسي شديد الخطورة:
إلى أي حد يمكن السماح للخوارزمية بأن تدخل في قرار يتعلق بحياة الإنسان أو موته؟

الولايات المتحدة والصين ومركز القوة الجديد

في قلب هذا التحول تتنافس القوى الكبرى على التكنولوجيا والرقائق ومراكز البيانات والطاقة والباحثين والنماذج المتقدمة.
وتبرز الولايات المتحدة والصين باعتبارهما القوتين الأكبر في هذا السباق، وإن كانت دول ومراكز أخرى تحاول بناء قدراتها الخاصة.
لذلك فإن الصراع الدولي المقبل لن يكون فقط على النفط والأرض والممرات البحرية والنفوذ العسكري. سيكون أيضاً على الرقائق، والطاقة، والبيانات، والخوارزميات، والعقول البشرية القادرة على تطويرها.
وهنا نصل إلى الشرق الأوسط.

الشرق الأوسط: مراكز بيانات بلا صناعة معرفة؟

تمتلك بعض دول المنطقة الموارد المالية والطاقة والبنية التحتية التي تسمح لها ببناء مراكز بيانات ضخمة وشراء أحدث الأنظمة.
وهذا مهم، لكنه ليس كافياً.
فالمشكلة ليست في امتلاك الخوادم فقط، بل في امتلاك المعرفة التي تصنع ما يجري داخلها.

إذا بقيت جامعاتنا ضعيفة في البحث العلمي، ومراكز الأبحاث محدودة، والباحث العربي يبحث عن مستقبله في الخارج، فإن المنطقة قد تمتلك واحدة من أكبر البنى التحتية الرقمية في العالم، بينما تبقى المعرفة الأساسية التي تشغل هذه البنية مستوردة.
وسنكرر بذلك الخطأ التاريخي نفسه: نمتلك الثروة ونشتري التكنولوجيا، بينما يحتفظ الآخرون بالقدرة على إنتاجها وتطويرها.
الصراع المقبل داخل المجتمع العربي
لكن الخطر الأكبر قد لا يكون اقتصادياً.
الذكاء الاصطناعي سيضع المجتمعات العربية أمام مواجهة معرفية وثقافية عميقة.
فمجتمعاتنا تحمل تراثاً دينياً وثقافياً واجتماعياً ضخماً، وتعيش في الوقت نفسه ضمن أنظمة سياسية ومؤسسات تعليمية لم تتكيف بعد بالكامل مع الثورة الرقمية السابقة. والآن يأتي تحول أسرع وأعمق بكثير.

ستطرح التكنولوجيا أسئلة جديدة حول الأسرة والتعليم والعمل والخصوصية والجسد والعلاقات الإنسانية والدين والأخلاق.
ستدخل الروبوتات والأنظمة الذكية إلى المصانع والمستشفيات والمدارس، ثم إلى المنازل. وقد يصبح الروبوت مساعداً شخصياً وممرضاً ومعلماً ورفيقاً، وربما حتى شريكاً عاطفياً أو جنسياً لبعض البشر.
عندها لن يكون النقاش حول التكنولوجيا فقط، بل حول تعريف الإنسان وعلاقاته وحدود المقبول اجتماعياً وأخلاقياً.

ومن هنا قد ينشأ أحد أخطر الصراعات في الشرق الأوسط الجديد: الصراع بين قوى تريد حماية المجتمع من التغيير عبر العودة إلى الماضي، وقوى سياسية تريد التحكم في التكنولوجيا والمعرفة والاستمرار في التحكم بالإنسان، وجيل جديد يعيش داخل عالم معرفي لا تعترف حدوده بالرقابة التقليدية المجتمعية والسياسية.

المعركة الحقيقية هي معركة المعرفة
لهذا فإن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بنتيجة الصراع العربي الإسرائيلي، أو التنافس الإيراني التركي، أو مستقبل الإسلام السياسي، أو شكل التحالفات الدولية.
هناك معركة أكبر تتشكل بصمت:
من سينتج المعرفة التي سيقوم عليها العالم الجديد؟
إذا بقي الشرق الأوسط مستهلكاً للذكاء الاصطناعي، فسوف ينتقل من التبعية الصناعية والتكنولوجية إلى شكل أخطر من التبعية: التبعية المعرفية.
ولهذا لا يكفي بناء مراكز البيانات أو شراء أحدث التقنيات. المطلوب إعادة بناء الجامعات، وتمويل البحث العلمي، وربط الاقتصاد بمراكز المعرفة، وجذب الباحثين، وإعطاء الشباب حرية السؤال والتجربة والابتكار.
وهنا أيضاً لا بد من تحول ثقافي أعمق: انتقال جزء أساسي من مركز إنتاج الخطاب المجتمعي من المؤسسات التي تعيد تفسير الماضي إلى الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات العلمية القادرة على فهم المستقبل.
فالشرق الأوسط الجديد لن يصنعه فقط من يمتلك الأرض والنفط والسلاح.
سيصنعه من يمتلك العقل والمعرفة والقدرة على إنتاج الذكاء نفسه.
والسؤال الأخير: ماذا سيحدث للإنسان؟
يبقى السؤال الأكثر إثارة للقلق.
حتى الآن كنا نفترض أن التكنولوجيا أداة في يد الإنسان. لكن ماذا يحدث إذا استمرت قدرات الأنظمة الذكية في التطور بوتيرة أسرع من قدرة المؤسسات السياسية والأخلاقية والقانونية على فهمها وضبطها؟
قد تساعد هذه الثورة الإنسان على التغلب على أمراض كثيرة، وإطالة سنوات الحياة الصحية، واستكشاف الفضاء، وحل مشكلات عجز عن حلها طوال قرون.
لكنها قد تنتج أيضاً أنظمة شديدة القوة لا يستطيع فرد أو دولة التحكم الكامل في آثارها.
ولهذا فإن السؤال الذي يواجه الشرق الأوسط ليس فقط كيف نلحق بالذكاء الاصطناعي.
السؤال هو: هل نمتلك الأدوات العلمية والفلسفية والثقافية التي تسمح لنا بالمشاركة في النقاش العالمي حول المصير الذي يصنعه هذا الذكاء؟
الخطر الحقيقي أن يدخل العالم أعظم ثورة معرفية في تاريخ البشرية، بينما يبقى الشرق الأوسط مشغولاً بصراعات الماضي.
ففي الثورة الصناعية، دفعنا ثمن التأخر.
وفي الثورة الرقمية، أصبحنا في معظم الأحيان مستهلكين أكثر منا منتجين.
أما في ثورة الذكاء الاصطناعي، فقد يكون ثمن التأخر أكبر بكثير.
لأن المسألة هذه المرة ليست فقط من يصنع الآلة.
المسألة هي من سيشارك في صناعة المستقبل، ومن سيعيش في مستقبل صنعه الآخرون له.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top