
بقلم الياس عيسى الياس
لم أستطع أن أزيح تلك الصورة من مخيلتي، ولا أن أطفئ الحرقة التي اشتعلت في صدري منذ اللحظة التي شهدت فيها ذلك المشهد. كان المتجر ينساب بهدوء اعتيادي؛ حركة ناس، وأصوات أكياس، ووجوه أنهكتها هموم تأمين يوم آخر. وفجأة، انكسر الهدوء على صرخة مباغتة حين أُمسك برجل خمسيني حفر القهر ملامحه.
كانت يداه المرتجفتان متمسكتين بقطعة جبن وعلبة لبنة، طعام بسيط يسد الرمق. لم أرَ في عينيه نظرة مجرم جسور، بل بدا لي أباً هدّه العوز، وأرهقه جوع أطفاله المنتظرين في البيت. وحين تحلقت حوله الأيادي، لم يجد ما يحمي به ما تبقى من كرامته سوى صوت خفيض ناشد به الجميع: «كرمال الله ما تبهدلوني».
كانت تلك الكلمات كفيلة بأن تليّن القلوب، لكن ما حدث كان أشد قسوة. تحول المكان خلال ثوانٍ إلى حلبة فرجة. رفع الموجودون هواتفهم الذكية، واندفعت العدسات تسجل لحظة الانكسار خطوة بخطوة، لا ليتقدم أحد بدفع الثمن أو ليستر على إنسان ضاقت به سبل الحياة، بل ليقتنصوا مقطعاً مصوراً يُلقون به على صفحات التواصل الاجتماعي بحثاً عن تفاعلات رخيصة. وقف بعضهم يصرخ بوجهه: «يا حرامي»، بنشوة استعراضية بطولية، وكأنهم اصطادوا خطراً يهدد الأمة.
يومها، وقفتُ متجمداً أمام عجزي عن التدخل؛ كنت شاهداً صامتاً آلمه المشهد وخذله الارتباك، وتساءلت بأسى: كيف تحولنا إلى مجتمع يتقن تصوير الوجع، بينما نتجاهل أن نمسح دمعة جائع؟
أعرف جيداً أن السرقة خطأ لا يُبرر أخلاقياً ولا قانونياً، وأدرك أن صاحب المتجر قد يكون إنساناً متعباً يصارع الانهيار المعيشي، ولست أحمّله مسؤولية ما جرى، فنقدي موجه إلى تلك اللحظة القاسية. فهل يبرر الخطأ أن نتحول جميعاً إلى جلادين؟ ألم يكن في تصويره والتشهير به علناً مساس بكرامته وخصوصيته؟ وهل يصح أن يصبح الإذلال العلني عقوبة يُقهر بها الأب أمام الجميع؟
إن المفارقة الموجعة هي أننا نطلق غضبنا في وجه الضعيف الذي لا حول له، بينما نكتفي بغضب عابر ومتردد حين يتعلق الأمر بمن سرقوا الوطن.
هذا الموقف يذكرنا بما خطه فيكتور هوغو في رواية «البؤساء» قبل أكثر من قرن ونصف، حين حُكم على جان فالجان بخمس سنوات لسرقته رغيف خبز لإطعام أبناء أخته السبعة، ثم بلغت عقوبته تسعة عشر عاماً جراء محاولات الهرب، في نظام لا يعرف الرحمة.
وفي المقابل، قابل الأسقف في الرواية سرقة فالجان بالرحمة والمسامحة، ليمنحه فرصة للخلاص، على عكس مجتمعنا الذي يصر على سحق ضعفائه. واليوم، نطرح السؤال ذاته: من هو المجرم الحقيقي؟ أهو الأب المقهور الذي دفعته غريزة البقاء، أم الواقع الذي يخلق الجوع ثم يعاقب ضحاياه؟
إن الإذلال العلني ليس عدالة، إنه قهر يمارسه المجتمع وكأنه يعوض به عن عجزه. وحين يترك المجتمع الضعيف يُحاكَم في الشارع، فإنه يرسخ عدالة بديلة تقوم على شريعة الغاب لا على القانون.
والمسؤول الأكبر عن هذا الانحدار الأخلاقي هو النظام الذي ترك الناس بلا حماية حتى أوصلهم إلى هذا الاختيار القاسي بين جوع أطفالهم وكرامتهم. وهنا تبرز الازدواجية الكبرى: فالفقير الذي يسرق لقمة تُشهّر به الكاميرات، وتُصغَّر جريمة نهب شعب كامل وتُغلَّف بالصمت، في بلد لم تُسنّ فيه قوانين منصفة تحمي الناس، ولم تجرِ فيه محاسبة، وعُطّلت فيه الملاحقات.
ولأولئك الذين رفعوا هواتفهم بنشوة ليصوروا حسرة الأب، أقول: لو أن هذه الهواتف ارتفعت بالجرأة ذاتها في وجه من نهبوا الوطن ودفعوا الأبناء إلى الهجرة، فكم كنا سنحتاج من الصور لنغطي حجم هذا الخراب؟
وكم عدسة ستجرؤ حقاً على توثيق وجوه أولئك الحيتان خلف أبواب مغلقة، بينما يتركون الناس يتقاتلون على فتات الخبز في الطرقات؟
