بقلم جوزاف وهبه

تكاد “الدولة اللبنانيّة” (رغم أنّها – كما هو مفترض – أمّ الصبي وأبوه الشرعيّان) تغيب خلف الدخان المتصاعد من حرب الإسناد الثانية (كلّو في حبّ طهران يهون..)، وهي أصلاً لم تستفق، بعد، من صدمات وكدمات حرب الإسناد الأولى ( “سعداء” في الطريق إلى القدس..)، وآخر حالات الإختفاء ما جرى من قصف إسرائيلي مدمّر لجسر القاسميّة الذي يجمع بين صيدا وصور. فكلّ ما يستطيع فعله أركان الدولة هو “الإستنكار” تماماً كما فعل رئيس الجمهورية جوزاف عون، وكما يمكن أن يفعل أيّ مواطن لبناني عادي، مرفِقاً صرخته الفارغة بالقول الكريم “لا حول ولا قوّة إلّا بالله العظيم”!!
“مبادرة” بعبدا الأخيرة (وكالعادة، بعد فوات الأوان) للتفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي في قبرص أو أميركا، لم تجد عند أحد أيّة آذان صاغية:”الحزب” صاحب قرار الحرب والسلام أعلن حربه بصواريخ ستّة للتأكيد على مرجعيّته الإيرانيّة أوّلاً وأخيراً:نتسلّح معاً، نقاتل معاً، وننتصر أو ننهزم معاً.وكلّ الباقي، من مواقف الأخ الأكبر نبيه برّي إلى حكومة فيشي (كما يحلو لإعلام المقاومة الإسلامية أن يسمّيها) أو الرئيس الصديق الذي لا توفّره قصائد الهجاء والتخوين، هباء منثور لا يقدّم ولا يؤخّر.محمود قمّاطي ينطق بالحقيقة:الدولة خائنة، الويل للبنانيين..والخامنئي – بكلّ أشكاله – مرجعيّتنا وملهمنا وقائدنا الأعظم!
بين صاروخ وغارة، تحوّل رأس الدولة اللبنانيّة إلى مجرّد “ناطق باسمه” يؤازره في وحدته الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي بات يرسل مبعوثيه إلى لبنان في نوع من “السياحة السياسيّة”، يأتون ويجتمعون ويصرّحون ويذهبون، دون أي يكون لكلّ هذا الحراك أثر أو تأثير ولو محدود في المشهد الساخن بنار الحرب الملتهبة فوق رؤوس اللبنانيين الحائرين العاجزين!
رئيس الحكومة نوّاف سلام تحوّل وحكومته العتيدة إلى “هيئة إسعاف” تتلقّى المساعدات الخارجيّة والمحلّية، وتوزّعها على النازحين في الخيم والمدارس والمنازل، تحت نظر “عيون الحزب” التي تمنع الصورة والصوت عن أيّ مواطن، ربّما يريد أن يستغيث أو يطلق العنان لحزنه العميق على بيت وحديقة وإبن أو أخ أو جار وصديق.”نوّاف”، لا أحد من رؤساء الحكومة السابقين يحسده على ما هو عليه.كلّ ما يستطيع أن يفعله هو رسم إشارة “الصليب الأحمر” دون أن يتمكّن – حتّى – من إطلاق العنان لصفّارة الخطر، وخاصة مع ما يدور راهناً حول “مركز إيواء الكرنتينا” الذي يفتح جروحاً قديمة، البلد في غنى عنها دون أدنى شكّ!
“حارس” عين التينة والجنوب، وباني عزّة الجنوبيين ولو على حساب الدولة (البقرة الحلوب) وحساب اللبنانيين الذي طالما غفروا له خطاياه، بفعل “هضامته” وأنّه “شعرة معاوية” ما بين الطائفة الشيعيّة وبين الكيان اللبناني، إنّما بات “وحيداً..ويندم” على حدّ عنوان كتاب الشاعر الراحل الياس مسّوح.نبيه برّي، بالتأكيد، ليس في أفضل أيّامه، وهو يشهد بعينين مفتوحتين عاجزتين قرى وبلدات الجنوب تتساقط بيتاً بيتاً، ومنازل الجنوبيين تتهاوى حجراً حجراً.كلّ ما فعله رئيس حركة أمل لمحو محروميّة الجنوب والجنوبيين، إنّما يهدمه حزب الله بانتمائه المطلق إلى مرجعيّة المرشد الأعلى، وبإيمانه المطلق بنظريّة “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.نعيش وهج البطولة والإنتصار فوق رماد الموت والدمار والخراب، وهذا ما يدركه جيّداً “الإستيذ” دون أن يجرؤ على تحريك ساكن!
الدولة، برؤوسها الثلاثة، تكاد تضمحلّ أمام عوامل الحرب الجديدة، ويغيب دورها التفاوضي.لا تملك من الأوراق شيئاً.وتكاد وزارة الصحّة تحصي الضحايا والجرحى.نغرق جميعاً في مستنقع لا قعر له، ولا ناقة ولا جمل لنا فيه.مرّة أخرى، يجرّنا حزب الله إلى حساباته السياسيّة – العقائديّة.وما علينا سوى دفع الثمن، شئنا ذلك أم رفضنا.يمتلك السلاح، ونحن نمتلك جيشاً، ربّما نجح مشكوراً في ضبط فوضى الداخل، ولكنّه – بلا مجاملة أو محاباة – قد فشل في تقديم نفسه، كحامٍ للوطن للحدود في جنوب الليطاني كما في شماله!!

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top