
بقلم حنين خلف
لم يعد ما يجري في النبطية مجرد تطور عسكري عابر أو حادثة أمنية يمكن التعامل معها ببيان مقتضب أو موقف دبلوماسي رمادي. فالنداء الذي أطلقه أهالي المدينة وجوارها يعكس، في العمق، لحظة خوف جماعي من أن تتحول النبطية إلى عنوان جديد للخراب، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتوسع دائرة الاستهداف لتطال المدنيين والبنى التحتية والمعالم التاريخية، وفي مقدمتها قلعة الشقيف التي تشكل جزءاً من ذاكرة الجنوب ولبنان معاً.
هذا النداء لا يطلب المستحيل. هو ببساطة يطالب بما يفترض أن يكون بديهياً: حماية الناس، صون كرامتهم، تأمين بقاءهم على أرضهم، ومنع تحويل مدن الجنوب إلى ساحات مفتوحة للحرب والدمار. لكن خطورة ما ورد في البيان أنه لم يأتِ بصيغة احتجاجية تقليدية، بل كتحذير واضح من أن الجنوب، وفي القلب منه النبطية، صار في موقع لا يحتمل مزيداً من التسويف. فالمدينة لم تعد تقاوم فقط آثار العدوان، بل أيضاً آثار الإهمال السياسي، والرهان المزمن على أن الوقت سيؤجل الانفجار أو يخفف من حدته.
في هذا السياق، أكد الصحافي والناشط السياسي جاد الأخوي لموقع “ديمقراطيا نيوز”، أن النداء الذي أطلقه أهالي النبطية ليس تفصيلاً محلياً، بل صرخة من ناس عاديين يدفعون ثمن الحرب المتكررة في بيوتهم وأرزاقهم وأرواحهم، ويطالبون بحقهم الطبيعي في العيش بأمن واستقرار وكرامة. وهذه نقطة جوهرية، لأنها تعيد النقاش إلى مكانه الصحيح: الناس ليسوا في موقع تنظيري، بل في قلب الخطر، وهم يطلبون حماية فعلية لا خطابات إضافية.
الأخوي لم يكتفِ بوصف المأساة، بل ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن ما يجري ليس مجرد عدوان خارجي، بل نتيجة مباشرة لواقع سياسي وأمني جعل الجنوب مكشوفاً. ومن موقعه كصوت معارض من داخل البيئة الشيعية، حمّل “حزب الله” مسؤولية كبيرة في هذا المسار، معتبراً أن الحزب لم يعد يملك القدرة على حماية الناس، وأن سلاحه لم يحمِ البيئة التي يدّعي الدفاع عنها، ولا حمى الجنوب، ولا حمى البلاد. هذا الكلام، مهما كان حاداً، يعبّر عن تحوّل مهم في الخطاب الداخلي، إذ لم يعد الاعتراض يأتي فقط من خارج البيئة المتضررة، بل من داخلها أيضاً، ومن أصوات ترفض أن يبقى الجنوب رهينة معادلات لم تعد توفر الأمان لأحد.
الأكثر دلالة في كلام الأخوي هو تأكيده أن قرار الحرب والسلم يجب أن يعود إلى الدولة، لا أن يبقى خارجها. وهو هنا لا يطرح شعاراً نظرياً، بل يلمّح إلى جوهر الأزمة اللبنانية الممتدة منذ سنوات: أي دولة يمكن أن تحمي مدناً كاملة إذا كان قرار السلم والحرب موزعاً بين جهات مختلفة؟ وأي سيادة يمكن أن تُبنى على التباسات دائمة في مرجعية القرار الأمني والعسكري؟ من هذا المنطلق، تصبح مطالبة الأهالي بتعزيز انتشار الجيش والقوى الأمنية في النبطية ومحيطها أكثر من مجرد إجراء إداري؛ إنها مطالبة بإعادة إنتاج المعنى ذاته للدولة.
اللافت أيضاً أن الأخوي أيّد فكرة إعلان النبطية ومحيطها منطقة آمنة ومفتوحة تحت سلطة الدولة، معتبراً أن مثل هذه الخطوة يمكن أن تُضعف الذرائع الإسرائيلية وتفتح الباب أمام حماية مدنية أكثر جدية. وهو في ذلك يعكس قناعة متزايدة لدى شريحة من اللبنانيين بأن الحلول الأمنية وحدها لم تعد تكفي، وأن ما يحتاجه الجنوب هو مظلة سياسية ودبلوماسية واضحة، تعيد الاعتبار إلى الناس قبل الحسابات.
لكن العبارة الأهم في حديث الأخوي ربما كانت تلك التي شدد فيها على أن حماية الناس لا تكون عبر السلاح، بل عبر المفاوضات. حيث لم يطرح الأخوي المفاوضات بوصفها استسلاماً، بل كطريق وحيد لوقف الدمار الشامل، وإعادة الدولة إلى موقعها الطبيعي، ومنع تمدد الانهيار إلى ما بعد النبطية.
هذه النقطة تستحق التوقف عندها، لأنها تكشف أن المعركة لم تعد فقط بين لبنان والاحتلال، بل أيضاً بين من يريد إبقاء الجنوب ساحة مفتوحة، ومن يريد تحويله إلى منطقة حياةممكنة.
أما على مستوى البعد الوطني الأوسع، فالسؤال لم يعد ما إذا كانت النبطية وحدها مهددة، بل ما إذا كان الجنوب كله سيدخل مرحلة استنزاف جديدة قد تمتد جغرافياً وسياسياً. فالأخوي نفسه أشار إلى أنه لم يعد يثق بأن النبطية ستكون وحدها، محذراً من أن العدوان قد يتوسع ليصل إلى صور وصيدا وربما أبعد من ذلك. وهذه القراءة، مهما بدت متشائمة، تنسجم مع الشعور العام بأن ما يحصل على الأرض لا يوحي بتثبيت استقرار، بل بتوسيع مساحة الرعب والضغط.
في المحصلة، نداء النبطية ليس مجرد بيان تضامني، إنه وثيقة اتهام سياسية وأخلاقية في وجه دولة تتأخر عن حماية أبنائها، وفي وجه واقع لبناني يترك الجنوب في مواجهة الاحتلال والفراغ معاً. وهو، في الوقت نفسه، دعوة صريحة إلى أن يتحول الجنوب من ساحة اختبار إلى مساحة سيادة فعلية، وأن تُستعاد فيه مرجعية الدولة قبل أن يتسع الخراب أكثر.
