مئة وتسعون صعقة هرباً من أنفسنا


 
بقلم الياس عيسى الياس

نكافح الغلاء، نشتم الزعيم، ونلعن الساعة التي وُلدنا فيها في هذا البلد. ثم، وبأعصاب هادئة تماماً، ندخل وراء العازل في قلم الاقتراع، وننتخب الأسماء نفسها.
 
هذا ليس انفصاماً؛ بل هو الذعر من المجهول. الذعر ذاته الذي جعل مشاركين في تجربة نفسية شهيرة يفضلون صعق أنفسهم بالكهرباء على البقاء لربع ساعة فقط… في صمت الغرفة الفارغة.
في عام 2014، نشرت مجلة Science تجربة نفسية أشرف عليها تيموثي دي ويلسون من جامعة فرجينيا. الفكرة كانت بسيطة ومخيفة: طُلب من مشاركين عاديين الجلوس في غرفة فارغة بمفردهم لربع ساعة فقط. بلا هواتف، بلاكتب، وبلا أي شيء يقطع الوقت سوى زر واحد متاح أمامهم، إذا ضغطوا عليه يصعقهم بالكهرباء. النتيجة جاءت صادمة؛ إذ فضّل أغلب المشاركين الصدمة المؤلمة على البقاء وجهاً لوجه مع أفكارهم. أحدهم ضغط زر الصعق مئة وتسعين مرّة خلال خمس عشرة دقيقة.
 
هذا الجنون المخبري يختصر شيئاً أساسياً في تركيبتنا: نحن مستعدون لإيذاء أنفسنا، وبشكل متكرر، لمجرد الهروب من مواجهة الصمت الذي في داخلنا.
 
طوال عمرنا، نميل إلى تعزية أنفسنا بخرافة “الإنسان الطيب بطبعه”، لكن عالم النفس كريستيان جيريت يضعنا أمام أبحاث حديثة تقترح أمراً مغايراً. يذكر جيريت مثلاً أننا نميل غريزياً إلى الشماتة بنكبات الآخرين كآلية دفاعية تمنحنا شعوراً وهمياً بالأمان، أو أننا نبرر لأنفسنا سلوكيات نراها جرائم لا تُغتفر إذا ارتكبها الغرباء. أنانيتنا وتعصبنا ليسا مجرد عيوب طارئة، بل هما أشبه بأدوات حماية يلجأ إليها كائن خائف يفر من رؤية حقيقته في المرآة. 
 
وتأمل المفارقة اليوم في أي مقهى لبناني: يجلس الشخص ساعتين يشتم الفساد والدولة وغياب القانون، ثم يمارس الأنانية ذاتها عند أول إشارة سير، أو في تهرب ضريبي بسيط، أو في التعدي على الرصيف العام. هذا ليس نفاقاً واعياً بالضرورة، بل هو عمى سيكولوجي مريح يحمي “الأنا” من الشعور بالذنب. 
 
لكن ادعاء التميز هذا هو الفخ بعينه. العقل البشري لم يُصمم تاريخياً ليرى الحقائق المجردة، بل صُمم ليحمي صاحبه ويبرر خيارات جماعته. الأفكار في رؤوسنا ليست ملفات مرنة نحدثها بالمنطق، بل هي جدران يستند إليها شعورنا بالانتماء والأمان. نحن، في كثير من الأحيان، لا نبحث عن الحق في نقاشاتنا بقدر ما نبحث عن انتصار رأينا الخاص.
 
جرب أن تواجه أي شخص بحقيقة واضحة تقوض خطّه الحزبي أو الطائفي. لن ترى عقلاً يناقش، بل ستشهد حالة دفاع غريزية شرسة، كأنك لا تنتقد فكرة بل تشن هجوماً جسدياً عليه. هذا الانغلاق يحول حواراتنا اليومية إلى معارك إلغاء مستمرة، لمجرد أننا نتفادى طرح السؤال المرعب: “ماذا لو كنتُ أنا على خطأ؟”
 
وحين هربنا إلى الفضاء الرقمي، سقط قناع التهذيب الاجتماعي تماماً. خلف الشاشات الباردة وبقوة الأسماء المستعارة، تحول العالم الافتراضي إلى ساحة لتفريغ الضغائن. اللبناني المثقل بانهيارات المعيشة وخيباتها، يجد في هذا الفضاء مهرباً مريحاً من محاسبة نفسه أو مراجعة خياراته، فيتحول برمشة عين من ضحية إلى جلاد؛ يشمت بمصيبة شريكه في الوطن، وينخرط في حملات “التصيد” مفرغاً إحباطه المتراكم في أي هدف سهل.
 
حتى في خياراتنا السياسية الكبرى، نرى المحرك ذاته يعمل بوضوح. نتساءل دائماً ببراءة مبالغ فيها: لماذا تصفق الجماهير عبر التاريخ للزعيم النرجسي أو الحاد؟ الجواب يكمن في أن الناس، في لحظات الانهيار الشامل، يفرون من مسؤولية التفكير وخوف المجهول. في تلك اللحظات، يُترجم التعاطف والتواضع كعلامات ضعف، بينما يبدو الخطاب العنيف كدليل على القدرة والكفاءة. نرتد غريزياً إلى رغبة بدائية في التخلي عن قراراتنا لشخص آخر، لنمنح مستقبلنا لشخصيات قد تفتقر للإنسانية، فقط لأنها تتقن لغة القوة وتوهمنا بالحماية.
 
مواجهة هذه الحقائق ليست دعوة لليأس، بل هي الخطوة الأولى لترويض أنفسنا بدل الهروب المستمر منها. علم النفس لا يهدم القيم، بل يرينا كيف نستخدمها كأقنعة، ويعري لنا أوهامنا لكي نكف عن خداع أنفسنا بشعارات حالمة لم تطعمنا خبزاً ولم تحمِ لنا بلداً. المعرفة هي الكابح الوحيد؛ وعندما نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن في داخل كل منا ميولاً عدوانية صامتة تنتظر الظرف المناسب أو التحريض الطائفي لتستيقظ، سنصبح ربما أقل قسوة في أحكامنا على جيراننا.
 
هنا تحديداً، تبرز قيمة “الناسك” كالإنسان الوحيد الذي اختار طوال التاريخ إجابة معاكسة؛ فلم يهرب من الصمت، بل سكن فيه حتى تروّض وتصالح مع حقيقته بعد مواجهة مريرة مع وحوشه الداخلية. الفارق الأساسي بيننا وبينه، أننا لم نعد نتحمل حتى الدقائق الخمس عشرة الأولى من رحلة كان يقضي فيها عمره كاملاً، فنركض مذعورين إلى شاشاتنا وخطاباتنا وزحامنا اليومي.
 
الحقيقة فجة ولا تحتاج إلى أسئلة معلقة: نحن لا نريد علاجاً، بل أدمنّا لدغات الصعق المألوفة لأنها أرحم بكثير من مواجهة الفراغ الثقيل في أرواحنا.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top