دماء أهلنا ليست ورقة تفاوض في يد أحد!

بقلم الياس عيسى الياس

جلس رئيس الحكومة نوّاف سلام في مؤتمر إطلاق النّداء الإنسانيّ العاجل من السرايا، يحيط به سفراء الدول المانحة وممثلون عن المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة. كان الأرق بادياً على الوجوه، وأرقام المأساة التي أعلنها سلام مرعبة حين قال: “خطتنا عبر الهيئة العليا للاغاثة تشمل مليون نازح بمبالغ نقدية و50 ألف من أهلنا الصامدين في الجنوب”؛ في المقابل، وعلى شاشة عالمية، كان رئيس الجمهورية جوزاف عون يواجه المذيعة كريستيان أمانبور عبر شبكة CNN، يحمل في عيونه عتب وطنٍ بأسره، ليعلن علناً أن الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، لا يمثل الشعب اللبناني. وجه عون رسائل لم تعد تحتمل المواربة يخاطب فيها قاسم مباشرة: “الشعب اللبناني ليس شعبك”، مؤكداً أنه تحدث مع لبنانيين من طوائف دينية مختلفة، بمن فيهم شيعة، أخبروه أنهم “سئموا” من حرب حزب الله مع إسرائيل، مضيفاً: “إنهم يستحقون ألا يروا منازلهم تُدمر كل 5 أو 10 سنوات” وأنهم”شعب لبنان. إنهم ليسوا أتباع نعيم قاسم”.
 
تذكرتُ وأنا أتابع هذا التقاطع الفاضح بين لغة الأرقام ولغة السياسة، تقريراً مصوراً بثته إحدى وسائل الإعلام قبل أيام عن حركة النزوح على طريق صيدا. استوقفتني فيه امرأة سبعينية، تجلس وسط الركام وتلفّ بقايا أغراضها بصرة قماشية عتيقة. نظرتْ إلى الكاميرا وقالت بلهجة مكسورة: “هذه المرة الرابعة التي أهرب فيها من بيتي في يارون. هل كُتب علينا أن نموت كل سنة أو سنتين ليعيش الآخرون؟”.
 
تركتني كلماتها أمام سؤال لا أعرف له جواباً: كيف تحول بلدنا، بناسه وقراه وتاريخه، إلى مجرد جبهة احتياطية مستباحة؟ لستُ أفهم كيف يجرؤ مسؤول، أو زعيم حزب، أن يجلس في غرفته الآمنة ليصدر بياناً ينتقد فيه المحادثات واصفاً إياها بـ “الاستسلام”، ومدعياً أن الهدنة قوبلت بالرفض”بالكامل من قبل شرائح واسعة من الشعب اللبناني”.
 
أي انفصام هذا الذي يرى في تدمير حواضر جبل عامل وجرف المنازل والقرى من صور إلى بنت جبيل والنبطية مجرد تفصيل بسيط يمكن التضحية به، في وقت توجه فيه سلام للنازحين مؤكداً: “إنّ عودتكم الكريمة والآمنة إلى أرضكم هي في صلب مسؤوليتنا وأولويّاتنا”.
 
حين تُباد عائلات بأكملها جراء الهجمات الإسرائيلية، لا يعود الصمت حياداً، بل يصبح تواطؤاً. الصرخة التي أطلقها عون وسلام لم تكن مناورة سياسية، بل كانت تجسيداً لواقع يعتمل في صدور اللبنانيين الذين سئموا الحروب الدورية. تعبوا من دفع فواتير حروبٍ تُطبخ في عواصم بعيدة، ولذلك قالسلام بوضوح حاسم: “اخترنا طريق التفاوض لأنّه الخيار الأقلّ كلفةً على لبنان وأهله والأقصر إلى تأمين انسحاب إسرائيل وعودة الناس إلى ديارهم”، متوجهاً إلى إيران بالقول: “إرحمي جنوبنا فنحن أصحاب وطنٍ ولبنان ليس ورقة على طاولة أحد والجنوب ليس جبهة احتياطيّة لأحد”.
 
إن الذين يصرون على استمرار المحرقة ويرفضون التهدئة، لا يدافعون عن تراب الجنوب، بل عن أدوارهم كأوراق تفاوض، فاتهم أن هؤلاء المشردين على الطرقات هم شعب لبنان، بأجسادهم الحية ووجعهم الحقيقي، وليسوا أتباعاً لأحد، ولا وقوداً لمشاريع عابرة للحدود.
 
طريق التفاوض والتمسك بالشرعية والضغط على إسرائيل لوقف هجماتها على المدنيين ليس ضعفاً، بل هو الممر الوحيد المتبقي لاستعادة أنفاسنا. إنه الخيار المسؤول لإعادة تلك المرأة السبعينية إلى أرضها بكبرياء، بعيداً عنذل النزوح ومكرمات الإغاثة. لقد آن الأوان لتسترد الدولة قرارها، وتتصدى للمهمة الشاقة وهي نزع سلاح حزب الله، ولينتشر الجيش وحده على كل شبر من هذا التراب، فلا يمكن لوطن أن يستقيم برأسين، وجيشين، وولاءين.
 
يريدوننا أن نعتاد الركام، وأن نرى في الدمار قدراً محتوماً، وأن نقبل بأنتُباد عائلات كاملة وتُعرض صورهم كضحايا جانبيين في حرب الآخرين. لكن الحقيقة أصبحت عارية اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ لن نكون مجرد ركام منسي في لعبة الأمم.
 
ارفعوا وصايتكم وعقائدكم المستوردة عن صدورنا، اتركونا ندفن شهداءنا ونبني ما تهدم. باختصار: خذوا حروبكم وارحلوا، ودعوا هذا الشعب يتنفس.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top