
بقلم خالد صالح
لست أدري لماذا انفجرت في رأسي فجأة عبارة الرئيس الشهيد رفيق الحريري “البلد ماشي والشغل ماشي .. والحكي ماشي”، وكأنني أقف على بوابة “الزمن الجميل”، متسائلًا، ماذا بقي لنا في هذا البلد بوسعنا المجاهرة به بأنه “ماشي”؟، وكيف يمكننا استعادة تلك التفاصيل المذهلة التي شعرنا فيها حقيقة أننا على أعتاب قول الرئيس الشهيد أيضًا: “سأجعل من لبنان أصغر قوة عظمى في العالم” ..
ولست أدري ما الذي أخذني مصادفة إلى أغنية غنّتها السيّدة فيروز في مسرحية “ميس الريم” التي قُدمت لأول مرة على مسرح “البيكاديللي” الشهير في العام 1975، وجعلتني في حيرة شديدة خصوصًا مطلعها ” هالسيارة مش عم تمشي .. بدنا حدا يدفشها دفشة”، مستغربًا كيف يمكن لكلّ هذا الإبداع الذي قدّمه لنا “الأخوين الرحباني” بما فيه من عبقرية وعظمة بأن يقدموا مثل هذه الأغنية ؟ .. لكن بعد التفكير مليًا وقراءات متعدّدة الاتجاهات اكتشفت أن المبدعين “عاصي ومنصور” يستخدمون الترميز بشكلٍ عام والترميز السياسي بشكلٍ أدق في هذه الأغنية ..
“هالسيّارة مش عم تمشي” أغنية تقوم بتشريح مفهوم “الدولة”، إذ أن “فيروز” ومن العبارة الأولى في الأغنية التي تتكلم فيها عن “السيّارة”، لكن الحديث في هذا المقام ليس على “السيارة” بمعناها العادي، بل “السيارة” هي عبارة عن بلد بأمه وأبيه، مدمّر، محطّم، متوقف عن الحركة، معطل، مكسور، وينسحب على “وادٍ سحيق” بلا قاعٍ ظاهر للعيان ..
وعندما تقول “بدنا حدا يدفشها دفشة”، هي لاتعني الدفع التقليدي للسيارة، بل تتحدّث عن “دفشة سياسية” أو “دفشة قرار” و “دفشة إصلاح”، “دفشة جرأة” أو دفشة أي شخص يتحمل المسؤولية أمام الواقع المتردّي الذي نشهده بأم العين، وأن تكون هذه “الدفشة” فعليًا لأجل البلد ومصير البلد ومستقبل البلد .
اللافت في هذه الأغنية أنها تتحدّث أيضًا عن “مهمة الإنقاذ” المجهولة “بيحكوا عن ورشة تصليح .. وما عرفنا وينيي الورشة”، حينها تتوضّح الصورة شيئًا فشيئًا، هناك رئاسة وحكومة ومجلس نيابي وإدارات عامة ومؤسسات ومشاريع وخطط “ع مد عينك والبصر”، لكن لا إصلاح حقيقي، وهذا ما ينطبق على وطننا، الوطن الذي تكثر فيه “خطط الإنقاذ” لكن لا “ورشة حقيقية” لتنفيذ ما هو مطلوب ..
لكن الموجع أكثر في هذه الأغنية، ذلك المقطع الرقيق الناعم المليء بالأحلام، مقطع بمثابة الطعنة الوردية، شفاف لكنه سياسي بامتياز حتى النخاع “مبارح شفناهم رايحين .. على قمر العشاق طالعين .. ونحن مطرحنا واقفين”، ولو قرأناها من زاوية سياسية بحتة، فهذا المقطع هو تلميح غير مباشر إلى طبقة سياسية “طالعة” تعيش في كوكب آخر وبعيدة عن أوجاع الناس ومآسيهم، بينما نحن “المواطن” المغلوب على أمره، لم نزل في أماكننا نقف بلا حراك فعلي، نقف في أماكننا ليس بالمعنى الحسّي والفيزيائي، بل نقف في أماكننا بحال جمود قهري وانتظار قسري إلى “حلٍّ” جذري لن يأتي …
تُكمل “فيروز” أغنيتها، وتوغل نحتًا في وجع الانتظار اللبناني وقد ينسحب أيضًا على الواقع العربي ” يغيب نهار ويطل نهار .. والناطر ناطر على نار .. بيجي مختار بيروح مختار .. والسيارة مش عم تمشي”، “فيروز ومعها عاصي ومنصور” لايتحدثون هنا عن “مختار” كحلون، هنا الحديث عن تغيّر الرئاسات والحكومات والبرلمانات، تتغيّر كافة الوجوه من دون أن يتغير “حال السيارة”، التي لم تزل معطلة بسبب غياب الإرادة، والناس مازالوا “محشورين” فيها بلاحول ولاقوة ..
وتختم “فيروز” أغنيتها المليئة بالترميز السياسي الدقيق بمثابة “قفزة شعرية” من خارج المشهد “يا أهل ميس الريم ضلّوا تذكروني .. وكل ما حبّوا اتنين تبقوا تذكروني .. لاتنسوا زيّون اللي ستها من كحلون” .. في ظاهر هذا المقطع حنين “رومانسي” لكن في باطنها “وجدان سياسي” مليء بالفقد، عن وطن يفقد أبناءَه، أناس يغادرون ويتهجرون ويتشتتون وأناس يقتلون، والأغنية تتحدّث عن التذكّر وكأن الخوف الحقيقي ليس من “العطب” بل الخوف من النسيان، من اعتياد الناس على الواقع “الفاسد” و “المعقّد”، ومن أن يصبح من الطبيعي جدًّا أن “السيارة” مصيرها ألا “تمشي” ..
“لا تنسوا زيّون” وكأنها تقول لا تنسوا أصل البلد، لا تنسوا الذين غادروا بكل الأشكال، موت أو هجرة أو هروب، لا تنسوا الذين فقدناهم، ولاتنسوا ما كان من المفروض أن يكون عليه واقع “السيّارة” قبل أن يتعطل قلبها ومحركها، لهذا فإن “الأخوين الرحباني وفيروز” وبهذا الأغنية البسيطة لم يواجهوا السلطة بالمباشر، بل كشفوها وقاموا بتعريتها وقدموا أصدق تحليل سياسي عن وطن “مش عم يمشي” ..
عذرًا دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أخاطبك في عليائك .. “البلد بطّل ماشي” ..
