ماتت جنيف وولدَت إيفيان: لبنان بين نصوص “الإطار الأمريكي” ومعادلة الميدان المكتومة

بقلم نزار شاكر

لم يكن جفاف الحبر الذي وقّعت به السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض، ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، على “الاتفاق الإطاري الثلاثي” في ردهات وزارة الخارجية بواشنطن، ليعلن نهاية الصراع بقدر ما أعلن ولادة نمط جديد من الاشتباك الدبلوماسي؛ نمطٌ أشدّ تعقيداً، أدواته النصوص والآليات، وميدانه التوازنات الداخلية اللبنانية الهشة، في تلك اللحظة التي وصفها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأنها “بداية البداية”، كان لبنان الرسمي يخطو برجلٍ مثقلة بالهواجس نحو هندسة دولية جديدة للقوة، يُراد لها أن تُعيد صياغة المشهد الإقليمي انطلاقاً من جغرافيا الجنوب السياسية.

إن التدقيق المتأني في بنود هذا الاتفاق الأربعة عشر، وخاصة بند “المناطق التجريبية” (Pilot\ Zones) والربط العضوي بين الانسحاب الإسرائيلي التدريجي والأداء الأمني للجيش اللبناني، يكشف عن تحول جوهري في طبيعة الرعاية الدولية للاستقرار، نحن لسنا أمام قرار أممي تقليدي كالقرار 1701، بل أمام “صيغة تعاقدية” قائمة على الأداء (Performance-based)، تمنح الطرف الإسرائيلي عملياً ذريعة الفيتو الميداني لتعليق أي انسحاب إضافي، وتجعل ملفات حيوية كالدعم المالي ومشاريع إعادة الإعمار مرهونة بمدى قدرة مؤسسات الدولة اللبنانية على إنفاذ حصرية السلاح في تلك المناطق.

هنا تحديداً، تبرز المعضلة التحليلية الأعمق؛ فالقراءة الرسمية اللبنانية تحاول تبني مقاربة “العقلانية المؤسساتية” كممر إلزامي وحيد لوقف نزيف التدمير، وبدء ورشة إعادة الإعمار، واستعادة القرار السيادي عبر نشر الجيش وتثبيت الشرعية، غير أن هذه الاندفاعة الرسمية تصطدم بجدار واقعين بالغي التعقيد؛ الأول داخلي يتمثل في الرفض القاطع الذي عبّر عنه حزب الله على لسان نوابه والشيخ نعيم قاسم، معتبرين الاتفاق صيغة تفخيمية تستهدف عزل المكون الشيعي وتجريده من أوراق قوته؛ والثاني خارجي يتعلق بطبيعة الخصم نفسه، فالإسرائيلي، بامتداد الصراع التاريخي، أثبتت التجارب أنه عدو لا يُؤمن جانبه، وغالباً ما يوظف الثغرات القانونية في الاتفاقيات الدولية لتأبيد احتلاله أو فرض شروطه الأمنية تحت مسميات “الأحزمة العازلة”.

بيد أن تفكيك هذا المشهد لا يستقيم دون التطلع صوب طهران؛ فالأيام المقبلة كفيلة بتظهير الموقف الإيراني الفعلي من هذا الاتفاق الإطاري، لا سيما وأن القيادة الإيرانية ربطت في الآونة الأخيرة مصير مسارها التفاوضي الشامل مع واشنطن بمآلات الملف اللبناني والترتيبات الأمنية فيه، ومن هنا، يبرز السؤال الجوهري حول ما إذا كانت إدارة ترامب الثانية، عبر استعجالها هذا التوقيع في واشنطن، تسعى جاهدة لفصل المسارات عن بعض، وتجريد الجانب الإيراني من أوراق ضغطه الإقليمية من خلال “جعل اللبنانية” الحل وحصره بآليات ميدانية محلية تقطع شريان الاتصال الجيوسياسي بين طهران وبيروت.
ولعل البُعد الأكثر إثارة للقلق في الصياغة الأمريكية الخبيثة لهذا الاتفاق، يكمن في ملحقه القانوني الصارم؛ وتحديداً البند التاسع منه، الذي يفرض على بيروت التزاماً مكتوباً بـ «عدم تقديم شكاوى» أو تحريك دعاوى قضائية ضد تل أبيب في المحافل الدولية عن جرائم التدمير الممنهج، إن هذا البند لا يمثل مجرد تصفية قضائية مسبقة لآثار الحرب، بل هو محاولة أمريكية لتعرية لبنان من مظلته القانونية الدولية، وتحويل «الاتفاق الإطاري» إلى صك براءة يمنح الاحتلال حصانة سياسية وقانونية فوق دستورية، مقابل وعود واهية بالانسحاب المشروط.

وفي هذا السياق، تشير تقديرات مركز بيروت للأبحاث والدراسات إلى أن الخطورة الكامنة في الاتفاق لا تكمن في شقه الميداني فحسب، بل في قدرته على تحويل النص من أداة لفض النزاع الخارجي إلى صاعق لتفجير الأزمات الداخلية المكتومة. ويرى باحثون في المركز أن “الاتفاق صُمم بآلية تدفع التناقضات اللبنانية إلى حافتها القصوى، من خلال ربط الانسحاب وعودة النازحين بمهام أمنية معقدة تفوق حجم الإجماع السياسي الراهن في بيروت”.
من جانبه، يعلق المحلل السياسي المتخصص في العلاقات الدولية، الدكتور سامر العبد الله، بالقول: “إن ما شهدته واشنطن هو ترجمة لفلسفة إدارة ترامب الثانية في فرض الاستقرار بقوة القانون والضغط الاقتصادي الصارم، ومحاولة واضحة لتفكيك ‘وحدة الساحات’ عبر صياغات قانونية ملزمة لكل دولة على حدة، غير أن الرهان الإسرائيلي على تفسير البنود بشكل أحادي، ومحاولة القفز فوق الخصوصية البنيوية للمكونات اللبنانية، أو تجاوز المدى الحيوي للموقف الإيراني، قد يحول ‘المنطق التجريبي’ من مساحة لاختبار الحلول إلى حقل تجارب لنموذج جديد من الاستعصاء السياسي والإقليمي”.

أمام هذا المنعطف، يجد الداخل اللبناني بمختلف مكوناته نفسه أمام تحدي صيانة السلم الأهلي وتجنب الانزلاق إلى محاور الاستقطاب الحاد، حيث تتباين هواجس هذه المكونات وأولوياتها؛ فالمكون السني، الذي يميل تاريخياً نحو خيار الدولة ويسعى للانتقال من “الالتزام العاطفي” بالقضايا إلى بناء “المؤسسة المستدامة”، ينظر إلى استعادة منطق الشرعية كحاجة ملحة لإنقاذ الهيكل، بشرط ألا تتحول البنود إلى أداة لإنتاج مواجهة داخلية، وفي الموازاة، تتأرجح المقاربة المسيحية بين اندفاعة ترى في الاتفاق فرصة تاريخية لتطبيق الدستور والقرارات الدولية وحصرية السلاح بيد الجيش، وتخوّفٍ مكتوم من غياب التوافق العريض الذي قد يحوّل إنفاذ النص الصارم إلى صاعق لخلخلة الاستقرار، أما المكون الدرزي، الحريص تاريخياً على قراءة التوازنات بميزان جوهرجي دقيق، فيقارب المشهد بعين الحذر من الغلبة أو العزلة، مركّزاً على حماية النسيج الاجتماعي والتحذير من مغبّة الانجرار وراء حسابات خارجية لا تضمن أمن الداخل، وبناءً عليه، فإن القوى السياسية كافة مطالبة بقراءة هادئة وعقلانية، تدرك أن النص الموقع في واشنطن يحتاج إلى “هضم سياسي” محلي يحمي الوحدة الوطنية ويمنع العدو من استغلال التباينات المنتظرة في المواقف الإقليمية.

بين تفاؤل واشنطن المشروط بـ”الأداء” ومساعيها لفصل الملفات، وسعي تل أبيب لتثبيت حزامها الأمني عبر المناورة بالانسحاب، والترقب اللبناني لمآلات الموقف الإيراني، يبدو أن “الاتفاق الإطاري” قد نقل لبنان إلى مرحلة جديدة بالغة الحرج، إن القوة بغير عقلانية وطنية جامعة ليست سوى تسريع للارتطام، والرهان اليوم ليس على ما جفّ من حبر في الخارج، بل على قدرة العقل السياسي اللبناني في بيروت على تطويع هذه البنود وتفكيك ألغامها، بما يضمن استعادة السيادة دون التضحية بالاستقرار الداخلي أمام عدو يتربص بالجميع.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top