
بقلم خالد صالح
لا أعرفُ السبب الذي جعلني أعود مؤخرًا لقراءَة رواية “سيّد الخواتم” للكاتب والباحث الإنكليزي “جي آر آر تولكين”، الذي أشتهر عالميًا بـ “أب أدب الفانتازيا”، بالرغم من مشاهدتي للأجزاء الثلاثة من العمل السينمائي والذي يحمل العنوان نفسه لعشرات المرّات، وفي كل المرّات كان تركيزي الدائم على قضية “الخاتم” وما يحمله من أسرار، لكنني هذه المرة توجّهت بالتركيز نحو شخصية الـ “Gollum” أو “غولوم” ..
دفعني الأمر للبحث عن الأسرار المحيطة بهذه الشخصية الوهمية، هذا الـ “غولوم” كما ورد في الأسطورة هو عبارة عن شخصية “مسخ” اخترعها “حاخام يهودي” من الطين في مدينة “براغ” التشيكية، صنعها كي يحمي جماعته من المخاطر المحيقة بهم، الفكرة في بدايتها نبيلة عن أناسٍ يعيشون الخوف والاضطهاد الدائمين ويحتاجون إلى قوةٍ تدافع عنهم، فيصنع الإنسان مخلوقًا يُشبهه لكنه ليس بإنسان، جسد قوي وطاعة كاملة، بلا روح واضحة وبلا ضمير حقيقي .
الـ “غولوم” كان في البداية يُشكّل حلًّا، ثم وكما تقول الأساطير العميقة دائمًا “يتحوّل الحلّ إلى مشكلة”، فهذا المخلوق “المسخ” الذي صنعته الأسطورة اليهودية كي يحمي الناس كَبُرَ أكثر مما توقّعوا، وخرج عن سيطرتهم، قد لايفهم الحدود التي أُريدَت له، وهنا حينها يبدأ الخوف الحقيقي، ماذا نفعلُ حين تخرج أداتنا عن السيطرة؟ .
هذه الأسطورة ظهرت في وقتٍ لاحق في وجه آخر في حكاية “Frankenstein”، الدكتور الذي يحملُ هذا الاسم والذي فقد خطيبته في جريمة قتل، يحاولُ تحدّي الموت بأن يخلق كائنًا بشريًا ليس من طين وإعادته للحياة من خلال العلم عبر تجميع أجزاءٍ من الجثث والكثير من التجارب المخبرية وصعقات الكهرباء الهائلة، يرافقهم “طموح بشري” بلا حدود و “مجنون”، يُريد من هذا العمل أن يكون “إلهًا” صغيرًا داخل مختبره، لكنه حين ينجح في محاولته يرتعب من هذا النجاح.
المخلوق في “Frankenstein” ليس شريرًا ببساطة، هو مسكينٌ ومخيفٌ في الوقت نفسه، يريدُ اعترافًا وحبًّا وهويّة ويبحثُ عن مكانٍ له في هذا العالم، لكن صانعه نفسه يرفضه ويرفض وجوده، هنا الرواية تصبحُ أعمق بكثير ومفادها أن الإنسان يصنع شيئًا يُشبهه ومن بعد ذلك يتهرّب من تحمّل المسؤولية عنه، لهذا فإن الـ “Gollum” و “Frankenstein” يتحدّثان عن الفكرة نفسها تقريبًا، الإنسان حين يخلقُ قوة تُشبهه ثم يكتشفُ أنها ليست تحت السيطرة تمامًا .
اليوم، تعودُ القصة بشكلٍ جديد تحت مسمّى ” التكنولوجيا” خصوصًا “الذكاء الإصطناعي”، هناك دائمًا محاولات لصناعة شيءٍ ما يُشبه الإنسان، يتكلّم مثله، يكتبُ مثله، يرسمُ مثله، يُحلّل ويُجيب، يقترح ويقلد الأصوات والحركات ويجيدُ تفاصيل الصور الخاصة ويعيدُ تجسيدها بكثير من الدقّة، وربّما قريبًا يُقلّد “القرار” .
في البداية نقول بشيءٍ من الطمأنينة: لاتخافوا هذه مجرّد أداة مثل الـ “Gollum” صُنعت كي تُساعد، ومثل الـ “Frankenstein” وُلِدت من عبقرية الإنسان، لكن السؤال الأهم ليس ما تستطيع هذه الأداة أن تفعل؟ .. السؤال الأهم: ماذا ستفعلُ بنا ونحن نستخدمُها من دون وعي حقيقي؟، .. لأن التكنولوجيا الكبيرة لاتبقى خارجنا، تدخلُ في تفكيرنا، في علمنا وعملنا، في ذاكرتنا وعلاقاتنا، في السياسة، في الاقتصاد، في الصحافة والاعلام، في الحبّ وفي الكذب، في الحقيقة وفي الباطل، بعد ذلك نكتشفُ أن المسألة لم تعد مجرّد جهاز أو برنامج، بل صارت شريكًا في “تشكيل الإنسان” نفسه ..
الـ “Gollum” في الأسطورة اليهودية كان “قويًا” ولكن “بلا روح”، بينما “Frankenstein” كان “حيًّا” ولكن “بلا أب” حقيقي يتحمّل مسؤوليته، و”الذكاء الإصطناعي” اليوم يضعُنا أمام السؤالين معًا، هل صنع الإنسان مخلوقًا بلا روح، وهل الإنسان مستعدٌ لتحمّل مسؤولية ما صنعت يداه؟، وهل بوسعنا أن نسيطر عليه قبل أن يُمسك هو مقاليد السيطرة علينا؟..
الخطورة هنا ليست بأن نكره “التكنولوجيا” أو “الذكاء الإصطناعي”، فهذا الكلام سهلٌ وساذجٌ جدًّا، الخطورة أن نحبّهما بلا “أخلاق”، وأن نندهشَ بها بلا أسئلة، وأن نُسلّمَها حياتنا فقط لأنّها سريعة وذكية ومُريحة، ففي كلّ عصر من عصور البشرية عنده الـ “Gollum” الخاص به، وكل مختبر سياسي أو إعلامي عنده “Frankenstein” العائد له، والإنسان في كلّ مرّة يبدو واثقًا حين يقول: “أنا السيّد وهذه أداتي” !! ..
لم تعد هذه “الأداة” الرائعة والخطيرة جدًا في آن مجرّد برنامج “خوارزمي” جامد، بل تحوّلت إلى “مركز القيادة” تتدخّل في أصغر التفاصيل وأدقّها، وهنا أستعيد ذلك الحوار من فيلم “Matrix” الذي عُرض في دور السينما سنة (1999)، بين “مورفيوس” و “نيو” وهو يشرح له طبيعة “المصفوفة” بأن حربًا قامت بين الإنسان و “الذكاء الإصطناعي” أدّى إلى تدمير الكوكب، بعدما استقلّ الـ “AI” بقراراته ولم يعد بحاجة لقيادة الإنسان .
فهل سيأتي اليوم الذي نقف فيه أمام هذا “المخلوق” ونسأل بخوفٍ: هل صنعنا خادمًا أم أيقظنا مسخًا ؟ ..
