
بقلم إلياس عيسى إلياس
في طفولتي المبكرة، قبل أن تتشكل في وعيي أسئلة الفلسفة الكبرى، فتحتُ كتاب “العواصف” لجبران خليل جبران على مشهدٍ غريب لم يبارح مخيلتي يوماً: خوري يحمل الشيطان الجريح على ظهره في ليلة مظلمة ليداويه في بيته.
كنت صغيراً أراقب هذا التناقض بذهول؛ كيف يتحول “العدو الأزلي” في العلن إلى شريك يحميه الكاهن خلف الستار؟ هذا المشهد كان بوابتي الأولى لاكتشاف المفارقة التي تحكم الوعظ التقليدي، حيث مبرر وجود المنظومة برمتها مرهون ببقاء خصمها حياً.
الحكاية الجبرانية تبدأ من أنين وادٍ سحيق يسمعه الخوري سمعان. هذا الرجل الذي قضى عمره يلعن إبليس من فوق منبره، يهرع للإغاثة ليجد نفسه وجهاً لوجه مع الخصم نازفاً ومطروحاً على الأرض.
يتراجع الكاهن في البداية؛ يظنه لصاً، ثم يراه مجنوناً، حتى يستوقفه توسل الضحية. وهنا يطلق الشيطان حقيقته العارية، مواجهاً الكاهن بذكاء (بما معناه في النص الأصلي): «ألا تعلم وأنت اللاهوتي المدقق أن وجودالشيطان قد أوجد أعداءه الكهان؟ وبموتي تفقد منزلتك وينقطع رزقك؟».
هذا المنطق هزّ يقين الكاهن. أدرك في لحظة مرعبة أن موت الخصم يعني ببساطة إحالته إلى التقاعد الإجباري، وإعلان نهاية «حالة الطوارئ الروحية» التي تضمن التفاف الناس حول المعبد.
أمام هذا المأزق الوجودي والمعيشي، يتناسى الخوري سمعان خطبه العصماء، ويكتم مبادئه، ويحمل الشيطان على ظهره متواطئاً على إبقائه حياً ليضمن بقاء نفوذه.
لم يكن جبران يكتب عن خوري وشيطان بقدر ما كان يكتب عن آلية تتكرر كلما احتاجت سلطة إلى عدو كي تبرر وجودها. السلطة لا تحتاج إلى انتصار العدو ولا إلى هزيمته؛ إنها تحتاج فقط إلى استمراره بوصفه احتمالاً دائماً يبرر القبضة الاستثنائية للنخب الحاكمة.
الخصم هنا ليس مجرد شخصية، بل هو وظيفة اجتماعية وسياسية بامتياز. ومن خلال هذا الخوف المتوارث، يتجلى ما أسماه عالم الاجتماع بيير بورديو “العنف الرمزي”، حين تتحول الهيمنة إلى أمر يبدو طبيعياً في عيون الضحايا، فيشارك الناس في إعادة إنتاج قيودهم من حيث لا يشعرون، ظناً منهم أن الحراس يحمونهم من الهلاك.
في واقعنا المعاصر، لا تبدو هذه الديناميكية معزولة عن نماذج حكم عديدة تتغذى على الأزمات المستدامة حول العالم. وفي فضائنا المأزوم، تتحول الحياة اليومية إلى تمرين دائم على توقع الأسوأ.
لا يعود الخوف استثناءً، بل يصبح اللغة الوحيدة التي تُدار بها البلاد؛ حتى يغدو أي تراجع طفيف في مستوى الكارثة أو العتمة سبباً للاحتفال، لا دافعاً إلى مساءلة من صنعها. يُساق الناس دائماً إلى المربع نفسه: “تحمّلوا السوء الحالي، لأن البديل هو الفوضى الشاملة أو الخصم المتربص خلف الحدود أو الانقسام الأهلي”.
الخوف الحقيقي لدى هذه النخب ليس من الخطر، بل من اختفائه. غياب التهديد فجأة يمثل أزمة وجودية لشبكة المصالح؛ لأن انقشاع الفزع سيواجه الناس بحقيقتهم بلا وسيط، وسيكتشفون أن “حالة الاستثناء” التي عاشوا فيها لعقود لم تكن لحمايتهم، بل لسرقة أعمارهم.
لذلك، يلعن الجميع هذا الواقع علناً، لكنهم في الخفاء يحملون شياطينهم المفضلة، ويفاوضونهم سرّاً لترسيم حدود الغنائم، بينما يدفع الناس من استقرارهم وأعمارهم ثمن بقاء اللعبة مستمرة.
وفي النهاية، يبقى الكاهن والشيطان سائرَين معاً في عتمة ذلك الوادي السحيق، يتبادلان المنافع خلف الكواليس. والمفارقة المرعبة ليست في أن الشيطان يغوي البشر، بل في أن حراس الهيكل هم من يمنعونه من الموت.
فهل نملك يوماً شجاعة إنزال الشيطان عن ظهور الكهنة، لنكتشف أن الخوف لم يكن قدراً، بل صناعةً أتقنها الحراس؟ فالشيطان لا يعيش لأنه لا يُهزم، بل لأنه لا يُسمح له أن يموت.
