حين أفلتت حبة القمح

بقلم الياس عيسى الياس

منذ أيام وأنا أراقب نملة على حافة شرفتي. كانت تدفع حبة قمح تفوقها وزناً، وتناور بها بين نتوءات الإسمنت الوعرة. تعثرتْ مرتين، وفي الثالثة، أفلتت الحبة وسقطت في شقٍّ ضيق وعميق.
 
وقفت النملة ثوانٍ قليلة؛ وببساطةٍ لا أملك تفسيرها، استدارت نحو حبة أخرى ومضت.
 
بقيتُ مكاني مكبلاً بأسئلتي القديمة، بينما كان هذا الكائن الصغير يتحرك بخفة من لا يفاوض الواقع، بل يدفعه أمامه. تذكرتُ مشاريعي التي تلاشت تحت وطأة مفاجآت غير محسوبة، وتلك العلاقات التي ظننتها أبدية ثم تسربت من بين أصابعي في غفلة من سوء الفهم وغادرتني بلا وداع.
 
ربما يكون الوعي هو وجعنا الأكبر. النملة تنسى لأنها لا تملك ترف الذاكرة؛ لا تاريخ يربط حبتها الضائعة بأخرى سقطت بالأمس، ولا قلق ينهش غدها.
 
هنا يتجلى ما سماه نيتشه “النسيان الفعّال”؛ تلك القدرة الحيوية التيتحمي الكائن من أن يُثقَل بماضيه، وتتيح له أن يبدأ من جديد بصفحة بيضاء. أما أنا، فكنت غارقاً في وهم الامتلاك.
 
أدركتُ حينها أننا في الغالب لا نبكي الشيء الذي ضاع، بل نرتعب من خسارة الحكاية التي نسجناها حوله، والصورة التي أردنا تصديرها عن أنفسنا. الخسارة الإنسانية تبدو دائماً مضاعفة: نفقد المادة، ونفقد معها المعنى الذي علقناه عليها. وربما لهذا السبب بالذات، عادت بي الذاكرة إلى ليلة لم تغادرني يوماً.
 
في تلك الليلة أُغلق باب مشروعي الأخير. جلستُ في صالة منزلي المظلمة، أحدق في شاشة هاتفي الصامتة، ويدي ترتجف وهي تمسك بكوب قهوة بارد.
 
كان الصمت ثقيلاً، لا يقطعه سوى طنين البراد المتواصل في المطبخ، والضوء الأصفر الباهت القادم من أباجور الشارع عبر فجوات الستارة. سألت نفسي بمرارة: “هل ذهب كل شيء سدى؟”. شعرت حينها بصغري، وبأن جداراً مصمتاً ارتفع فجأة بيني وبين غدي.
 
مع أول خيط ضوء تسلل من النافذة، خرجت إلى الشارع بلوعة حقيقية لم تُهزم بسهولة. نظرت إلى المارة؛ بائع الخضار الذي يرتّب بضاعته بنشاط اعتيادي، والمرأة التي تسرع لتعقيد شعر ابنتها الصغير قبل المدرسة.
 
لستُ متأكداً كيف حدث ذلك، لكنني أدركت فجأة أن الكون لا يقف حداداً على انكساراتنا، وأن المحاولة في صباح اليوم التالي هي الشيء الوحيد الذي يبقى بأيدينا.
 
عدتُ إلى شرفتي اليوم، ونظرت إلى الشق ذاته الذي ابتلع حبة الأمس. داهمتني فكرة غريبة، لم تكن مواساة بقدر ما كانت سؤالاً معلقاً: ماذا لوكان الفقدان قسيم العثور في هذا العالم؟ وماذا لو كانت تلك الأشياء الت يتسقط منا مجرد أجزاء نتخفف منها لنكمل الطريق؟
 
تركتُ للنملة حبة جديدة على الحافة، واعتذرت لها بابتسامة خفيفة عن كل الوقت الذي أضعته في القلق. لم تتردد؛ اقتربت بمثابرتها الصامتة، تلمست الحبة بقرني استشعارها، وبدأت تدفعها نحو المجهول، حتى تلاشت في عتمة الممر الضيق واختفت عن ناظري.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top