الموسيقى: آخر ما يبقى منّا


 
بقلم الياس عيسى الياس

ثمة لحظات في العمر يكفّ فيها العقل تماماً عن الشرح، ولا يبقى منا إلا الإصغاء؛ لحظة باغتتني ذات مساء وأنا في سيارة عابرة تشق ليل بيروت الشتوي، حين انساب فجأة صوت فيروز وسط زحام الشوارع المنهكة، فتراجع ضجيج العالم كله خطوات إلى الوراء.
 
في تلك اللحظة تحديداً، شعرتُ كيف يصمت الكلام وتتقدّم الموسيقى. هذا اختبار حسي نمر به جميعاً في المنعطفات الكبرى؛ أمام الفقد، أو في غمرة الفراق، حين نتخلى غريزياً عن الكلمات ونستسلم للنغم ليقول عنا ما عجزنا عن صياغته.
 
وقد وجدتُ عند الفيلسوفة الأميركية سوزان لانغر ما يفسر هذه المفارقة، عبر تمييزها بين الرمز الخطابي في اللغة، وما تصفه بـ “النمط التقديمي للرموز” في الفنون. اللغة تقسم تجاربنا إلى وحدات وجمل متتابعة محكومة بقواعد صارمة، أما الموسيقى، فتفاجئنا بتقديم الشعور دفعة واحدة، ككتلة عاطفيةمتكاملة.
 
وربما لهذا السبب لم أفهم يوماً كيف يمكن لأغنية قديمة، تُبث عشوائياً من مذياع، أن تعيد إليّ وجوهاً غابت، بل وتجعلني أسترجع ملامح ونظرات ظننتُ أنني نسيتها في زحام الأيام. العبارة البسيطة مثل “أنا حزين” تبدولي دائماً كقالب ضيق ومحدد، أما اللحن الحزين فيترك الباب موارباً؛ إنه يمنحنا حزناً متعدد الطبقات، يتسع لألمي وألمك دون أن يفرز له إسماً في القاموس.
 
في هذا الفارق يكمن سر النغمة. فالكلام حين يسمّي الأشياء يحصرها، بينما تفتح الموسيقى لنا مساحة رحبة تتسع لتفاصيلنا الشخصية دون أن تتناقض. إنها الثغرة الجمالية التي نَفلت عبرها من المفاهيم الجافة، لنرتد إلى اختبار العالم في صورته الأولى البكر.
 
وهنا تصبح عبارة فريدريش نيتشه الشهيرة في “أفول الأصنام” أقرب إلى البديهة الوجدانية: «لولا الموسيقى لكانت الحياة خطأً». وتحمل الكلمة الألمانية (Irrtum) معنى الخطأ، مع ظلال من الضلال أو التيه، وكأن الفيلسوف يتساءل بمرارة عما يتبقى من أيامنا عندما تفقد نغمتها وتتحول إلى مجرد تكرار باهت.
 
ولم أشعر يوماً أن هذا تنظير بارد؛ فنيتشه الذي عانى من العزلة والمرض الطويل، كان نفسه مؤلفاً موسيقياً وعازفاً، وقد وجد في الموسيقى ملاذاً شخصياً أمام الموت والعزلة وثقل الأيام.
 
هذا البعد الوجودي للموسيقى يتقاطع مع طروحات الأنثروبولوجي كلود ليفيشتراوس، الذي وضع النغم في مرتبة تشبه الأسطورة؛ كونه يعالج المتناقضات الكبرى في الوجود الإنساني كالحياة والموت، لا بتقديم حلو لمنطقية، بل باحتوائها في بنية تمنحنا شعوراً بالتوازن.
 
ونحن نحتاج إلى هذا التوازن غريزياً في بيروت التي أرهقها التعب؛ وحين يقصر الخطاب العام والسياسي عن لملمة الشروخ اليومية، ألتفتُ إلى اللحن المنساب من دكان صغير أو شقة مفتوحة النافذة في حاراتنا، لأراه بمثابة فضاء مضاد يمتلكه العابرون وحدهم.
 
الموسيقى هنا قوة هادئة تجعل ضجيجنا الداخلي أقل صخباً، وتمنح الناس فسحة صامتة ومجانية ليكملوا يومهم الشاق.
 
هذا التميز للموسيقى لا يعني بالضرورة أنها أرقى من اللغة، فاللغة أداة لاغنى عنها للتشريع، والتفاوض، وبناء المجتمعات. لكن الدقة التي تمنحنا إياها الكلمات تفرض علينا دائماً ثمناً باهظاً: أن نختزل تجاربنا الحية الطازجة كي نتمكن من تبادلها.
 
في المقابل، أرى أن الموسيقى تحافظ على التجربة كاملة وغير مجزأة، وربما لهذا السبب تنجو النغمة دائماً حين تنهار الكلمات. في الحروب والمآتم الجماعية التي عشناها وتشربتها ذاكرتنا، حين يتحوّل الكلام إلى أداة تعبئة أو يعجز الخطاب العام عن التعبير عن الحداد الحقيقي، يبقى اللحن قادراً على احتضان ندوبنا، دون أن يُطالَب هذا الحزن بأن يبرّر نفسه أو يخدمقضية سياسية.
 
ربما هذا ما أدركه نيتشه بجسده في لحظات ظلامه الأخيرة في تورينو، حين انهار باكياً وهو يعانق حصاناً يُجلَد في الشارع، في مشهد يمثّل سقوطاً صامتاً لمنطق القوة أمام فيضان مفاجئ من الشفقة البشرية.
 
وفي ذلك الصمت الذي تبدد فيه المنطق وتلاشت الكلمات، كأن الموسيقى وحدها بقيت قادرة على حمل ما عجزت الكلمات عن حمله؛ وهي النغمة ذاتها التي أشعر بها تسافر عبر الزمن اليوم، لتترك صدىً يتردد على شرفتي البيروتية الموحشة.
 
الموسيقى، في نهاية المطاف، ليست بديلاً عن لغتنا، بل هي ذاكرتها الصامتة؛ وحين تُصادَر كلماتنا أو تُستنزَف، يبقى اللحن شاهداً أميناً على ما كنّا نعنيه حقاً.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top