إصلاح المصارف… إعادة الهيكلة لا تحسم مصير الودائع

بقلم ياسمين شعبان

بعد إقرار التعديلات على قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، يعود ملف إعادة هيكلة القطاع المصرفي إلى الواجهة باعتباره أحد المسارات الأساسية لمعالجة تداعيات الأزمة المالية في لبنان. إلا أن القانون لا يشكل بمفرده حلًا لأزمة الودائع أو لتوزيع الخسائر، إذ يبقى مرتبطًا بقانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، أو ما يعرف بقانون الفجوة المالية، الذي يفترض أن يحسم كيفية توزيع الخسائر ومصير أموال المودعين.

وفي حديث خاص لموقع “ديموقراطيا نيوز”، رأى الخبير الاقتصادي محمد فحيلي أن معظم التعديلات التي أُدخلت على القانون ذات طابع تقني وقانوني، وتهدف إلى منع التعدي على صلاحيات مصرف لبنان المنصوص عليها في قانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة 70. وأوضح أن لجنة المال والموازنة لعبت دورًا مهمًا في تقريب وجهات النظر بين وزارة المالية ومصرف لبنان وصندوق النقد الدولي، خصوصًا في المادتين 3 و13، بحيث بقيت أهداف قانون إصلاح المصارف تحت سقف صلاحيات مصرف لبنان، فيما كُرست صلاحيات الهيئة المصرفية العليا في تقييم الموجودات والمطلوبات، والإدارة المؤقتة، ووضع مسار الإصلاح أو التصفية عند الاقتضاء، من دون أن تتحول إلى جهة تحدد السياسة النقدية.

وأشار فحيلي إلى أن التعديلات كرست أيضًا حق المراجعة القضائية للقرارات المتعلقة بإخضاع أي مصرف للإصلاح أو التصفية، بعدما لم يكن هذا الأمر متاحًا بالشكل نفسه في الصيغة السابقة. كما لفت إلى تحول أساسي في مقاربة القطاع، إذ جرى الانتقال من نظرة عامة قد تقود إلى طي صفحة المصارف القائمة بالكامل، إلى معالجة كل مصرف على حدة، وفق تقييم فعلي لوضعه، بما يسمح بتصفيته أو دمجه أو ضخ رأسمال جديد فيه أو إعادته إلى خدمة الاقتصاد إذا ثبتت قابليته للحياة. وهنا طرح فحيلي إشكالية تتعلق بما إذا كان المصرف القابل للحياة سيعود مباشرة إلى العمل أم سينتظر انتهاء تقييم جميع المصارف، معتبرًا أن إعطاء الأولوية للمؤسسات السليمة يمكن أن ينعكس إيجابًا على الاقتصاد.

وفي المقابل، شدد فحيلي على أن إعادة الهيكلة لا تعني تلقائيًا استعادة الثقة بالقطاع المصرفي، لأن القانون لا يعالج بصورة مباشرة حقوق المودعين أو كيفية توزيع الخسائر، وهي مسائل ستبقى مرتبطة بقانون الفجوة المالية. واعتبر أن استثناء الودائع من امتصاص الخسائر إلى حين إقرار قانون الانتظام المالي يبقى ذا أثر محدود ما دام القانون اللاحق هو الذي سيحدد فعليًا كيفية توزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف وسائر الأطراف المعنية. كما حذر من أن الإعلان عن حاجة مصرف معين إلى إعادة الهيكلة أو إلى ضخ رأسمال جديد قد ينعكس سلبًا على علاقته بالمصارف المراسلة في الخارج، بما قد يؤثر في تمويل الاستيراد والتصدير والتحويلات عبر الحدود.

وتوقف فحيلي عند ضرورة الفصل بين المصرف كمؤسسة والمصرفي كشخص مسؤول عن قراراته، معتبرًا أن إعادة هيكلة المؤسسة أو الحفاظ عليها لا يجب أن تلغي مبدأ المحاسبة. وأوضح أنه يمكن تعيين إدارة مؤقتة أو إعادة هيكلة المصرف أو تصفيته بالتوازي مع إحالة أي مسؤول مصرفي إلى القضاء إذا ثبتت إساءة الأمانة أو الاستفادة الشخصية على حساب المؤسسة أو المودعين، مع ضرورة التمييز بين الخطأ الناتج عن ضعف التقدير أو الخبرة وبين المخالفة المتعمدة أو الفساد، وترك هذا الفصل للقضاء المختص.

أما عن دور صندوق النقد الدولي، فأكد فحيلي أنه ليس سلطة تنفيذية أو تشريعية في لبنان، بل جهة تقدم رأيها وتوصياتها انطلاقًا من المعطيات التي تزودها بها السلطات اللبنانية. وشدد على أن مسؤولية مناقشة هذه التوصيات وتحويلها إلى مشاريع قوانين وإقرارها تبقى بيد السلطتين التنفيذية والتشريعية، معتبرًا أن قانون إصلاح المصارف يشكل خطوة أساسية لإعادة تنظيم القطاع، لكنه لا يمثل نهاية الأزمة ما لم يترافق مع معالجة الفجوة المالية، وتحديد مصير الودائع، واستعادة الثقة، وتفعيل المحاسبة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top