
بقلم الياس عيسى الياس
مع انقضاء مهلة الستين يوماً للتوصل إلى اتفاق سلام دائم بين واشنطن وطهران دون نتيجة، أجدني أتأمل في كيفية تحوّل تلك المبادرات إلى مجرد أوراق ملغاة تُضاف إلى أرشيف طويل من الخيبات الدبلوماسية. وفي كل مرة يغرق فيها التحليل اليومي في إلقاء اللوم التقليدي على هذا الطرف الخارجي أو ذاك، يسحبني التفكير نحو زاوية أكثر عمقاً وإيلاماً: ماذا لوكانت كلفة إنهاء الحرب، بالنسبة إلى مراكز القوة داخل إيران نفسها، أعلى بكثير من كلفة استمرارها؟
ثمة انطباع يتزايد لديّ يوماً بعد يوم بأن البنية الحاكمة لا تخوض هذا التصعيد كخيار اضطراري فحسب، بل تبصره آليةً وجودية تضمن لها إعادة إنتاج سلطتها؛ فالحرب قد تدمّر الدولة وتستنزف ناسها، لكنها تمنح الأجهزة الأمنية الأدوات التي تحتاج إليها لتثبيت أركانها.
تستحضر الذاكرة التحليلية في هذا الصراع حادثة 28 شباط/فبراير 2026، يوم غيّب الموت المرشد الأعلى علي خامنئي إثر غارة جوية استهدفت مقره. لمتكن تلك مجرد ضربة عسكرية لقمة الهرم، بل زلزالاً طال العصب الفكري والسياسي للنظام.
غير أن المسار الذي أعقب ذلك كشف عن ديناميكية مختلفة؛ إذ جاء الانتقال السريع للقيادة نحو نجله مجتبى خامنئي محاطاً بكتلة من الغموض والتواري التام عن المشهد. لكن هذا الفراغ الظاهر لم يُضعف مراكز القوة الحقيقية، بل فتح الباب واسعاً أمام الحرس الثوري لإدارة المشهد بالكامل من خلف واجهة صورية، وتوحيد المفاصل الاستراتيجية للدولة تحت قبضته.
وعلى مستوى الداخل الإيراني، اتسع نفوذ المؤسسة العسكرية على حساب المؤسسات المدنية. فقد بات الرئيس مسعود بزشكيان يتحرك داخل بيئة أمنية تكبل قراراته وتصادر هامشه التنفيذي والاقتصادي. ويتجلى هذا الاختلال بوضوح في مشروع الموازنة العامة لعام 2026 الصادر عن هيئة التخطيط والميزانية؛ إذ أظهرت البيانات تخصيص اعتمادات مالية ضخمة للحرس الثوري تتجاوز ضعف المخصصات الموجهة للجيش النظامي.
وتُتيح حالة الصراع المفتوح لدوائر القرار ذرائع جاهزة لتبرير الشلل المعيشي، وانهيار العملة، وأزمة السكن، عبر إحالتها إلى العقوبات والضغط الخارجي. بل إن حالة الطوارئ تُستغل لشرعنة القمع؛ حيث وثق تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في آذار/مارس 2026 اعتقال أكثر من 6000 شخص، بالتزامن مع مشروع قانون أقرّه البرلمان مبدئياً لتشديد العقوبات على التواصل مع وسائل الإعلام الغربية المعادية.
ولا يتوقف هذا المنطق الشمولي عند الداخل الإيراني، بل يمتد إلى الساحات الإقليمية. وفي هذا السياق، يُعد ملف الملاحة في مضيق هرمز الورقة الأبرز لدمج الضغط الخارجي بالتوازنات الداخلية؛ فمع أن طهران قبلت بالمرور التجاري المؤقت في مذكرة التفاهم، إلا أن إبقاء باب التفاوض مفتوحاً مع مسقط يثبت أن ترتيبات الممر لم تكن يوماً حاسمة.
إن الإمساك بهذا الشريان الحيوي يوفر للجهاز العسكري-الأمني قدرة على تحويل التهديد إلى ورقة تفاوض دائمة، تضمن استمرار حالة الاستنفار التي يتغذى عليها النظام.
وفي الساحات الموازية، تعتمد طهران على شبكات غير تقليدية لإدامة نموذج “استثمار الأزمات المفتوحة”. ويظهر هذا النموذج جلياً في الساحة اللبنانية؛ حيث يتقاطع السلوك الإيراني مع أداء حزب الله في تعطيل قرار الحرب والسلم وتغييب حصرية السلاح بيد الدولة، بما يضمن إبقاء الإقليم في حالة سيولة أمنية تُصرف نتائجها لصالح طهران.
وتتكامل هذه التكتيكات مع استراتيجية الاستنزاف؛ إذ يشير تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى استهلاك ملحوظ لمخزونات صواريخ الباتريوت الأميركية أمام الصواريخ والمسيرات منخفضة الكلفة، بالتوازي مع تقديرات دولية بتجاوز كلفة الحرب كابوس الـ 100 مليار دولار بالنسبة لواشنطن. وفي غضون ذلك، يُتيح تقليص رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية مساحة رمادية للنشاط النووي بعيداً عن أجهزة التفتيش.
وعند توسيع المشهد نحو الإقليم، يُلاحظ كيف أدى الفراغ الأمني إلى دفع دول المنطقة لرسم مساراتها الخاصة، كالتوقيع على اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة، أو المساعي الإسرائيلية لبناء شبكات أمنية جديدة.
هذا التشتت الجيوسياسي يمثل البيئة المثالية التي تتمناها الدوائر الحاكمةفي طهران؛ فهو يحميها من تشكل جبهة موحدة ضدها، ويوفر لها مدى حيوياً للمناورة وإطالة أمد الصراع.
تأخذني كل هذه الشواهد إلى تجارب المواجهات القصيرة السابقة، والتي أثبتت لطهران أن الهدوء سرعان ما يعيد فتح ملفات الانقسام الداخلي والأزمة الاقتصادية أمام المساءلة الشعبية. وهنا أصل إلى ما أسميه”المفارقة الإيرانية”: كلما ارتفعت كلفة الحرب على الدولة والمجتمع، ترتفع قيمتها السياسية بالنسبة إلى البنية العسكرية والأمنية الحاكمة.
فالحرب لا تحمي إيران كأرض وشعب، لكنها تمنح السلطة وقتاً ومساحة لإحكام سيطرتها، وتصدير أزماتها، وإبقاء المجتمع أسير منطق الطوارئ.
ختاماً، أجدني أصل إلى يقين تحليلي مفاده أن السلام ليس مجرد خيار دبلوماسي متعثر، بل حالة تنطوي على تهديد وجودي للبنية الأمنية التي تشكلت وتغذت على جثة الدولة.
واليوم، يتجاوز السؤال في ذهني مجرد التكهن بمتى تتوقف المعارك، ليصطدم بالحقيقة الأكثر إثارة للريبة: ماذا سيحدث لهذه المنظومة الحاكمة في طهران إذا توقفت ألسنة اللهب فجأة وجفّت ذريعة التصعيد؟
