
بقلم الياس عيسى الياس
لم تكن وقفة صديقي أمام بوابة المدرسة الرسمية مجرد إجراء روتيني لنقل أوراق أبنائه. كانت لحظة إنسانية ثقيلة اضطر فيها إلى الاعتراف أمام نفسه وأسرته بأن راتبه لم يعد قادراً على حماية خياراتهم التعليمية.
أعرف تفاصيل حياته عن قرب؛ فهو موظف إداري ينتمي إلى تلك الشريحة التي طالما شكلت قوام الطبقة الوسطى اللبنانية: شريحة تؤمن بأن الاستثمار في تعليم الأبناء هو أحد أهم الأسلحة لمواجهة تقلبات الزمن، والضمانة الأساسية للارتقاء الاجتماعي.
براتب يبلغ 700 دولار شهرياً، وجد نفسه أمام واقع لا يرحم؛ إذ بات هذا المدخول يعجز كلياً عن تلبية المتطلبات الأساسية لأسرة مكونة من ستة أفراد. فبينما تتابع ابنته الكبرى دراستها في الجامعة اللبنانية بكلفة لا تقارن بأكلاف التعليم الخاص، تكمن العقدة في أبنائه الثلاثة الآخرين (بين الثامنة والخامسة عشرة).
مجموع أقساطهم السنوية في المدرسة الخاصة، مضافاً إليها بدل النقل والكتب والقرطاسية المسعّرة بالدولار النقدي، بات يلتهم أكثر من ضعف دخله السنوي. وعلى مدى سنوات، حاول سد هذه الفجوة المالية الهائلة عبراستنزاف ما تبقى من مدخراته المحدودة، والاعتماد على قروض شخصية وأعمال إضافية، حرصاً منه على ألا يضطر أبناؤه إلى تغيير بيئتهم التعليمية. غير أن انسداد منافذ الإقراض واحتجاز المدخرات المصرفية جعلت مواصلة هذه المعركة أمراً مستحيلاً.
ولعل اللحظة الأشد قسوة في هذه التجربة لم تكن في الدوائر الإدارية، بل في تلك الليلة التي جلس فيها ليصارح أبناءه بالقرار. شرح لهم بمرارة سببجمع كتبهم وتوديع أصدقاء طفولتهم، واجه نظرات الذهول في عيونهم، وسكت أمام أسئلتهم البريئة عن مدرستهم الجديدة.
فالفارق الرقمي بين كلفة التعليم الخاص والرسمي لا يخفف من الثقل النفسي؛ إذ لا يتعلق الأمر بخفض النفقات فحسب، بل بدفع الأسرة إلى نقل أطفالها والبدء من جديد في مكان لم يختاروه.
قصة صديقي ليست حالة فردية، بل اختصار لواقع أسر كثيرة تجد نفسها اليوم مرغمة على سلك الطريق نفسه. وهذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً على الدولة: هل تستطيع المدارس الرسمية، بما تواجهه من تحديات شائكة في الموارد والبنية التحتية والتمويل، استيعاب هذه الأعداد المتزايدة من الطلاب؟
المسألة هنا لا تتوقف عند نقل طلبة بين نظامين تعليميين، بل ترتبط بتفكك إحدى أهم آليات إعادة إنتاج الطبقة الوسطى في لبنان. لقد كان التعليم، لعقود، أحد أركان الحراك الاجتماعي وأدوات بناء الاستقرار الطبقي.
واليوم، حين تتصدّع هذه الأركان وتتحول المدرسة الخاصة إلى امتياز تحدده القدرة على الدفع، فإن الأزمة تتجاوز حسابات الميزانيات المنزلية لتطال بنية المجتمع ومستقبله.
وحين يصل الاستنزاف إلى نقطة يصبح فيها تعليم الأبناء أول ما تضطر الأسر إلى التضحية به، كيف يستقيم مستقبل مجتمع يتحول فيه التعليم الجيد من أداة أساسية للحراك الاجتماعي إلى امتياز طبقي لا يستطيعه إلامن يملك القدرة على السداد؟
