
بقلم الياس عيسى الياس
الزنين لا يتوقف. في الضاحية الجنوبية لبيروت، يكفي أن ترفع رأسك إلى السماء لتدرك أن سقف المكان لا يزال معلقاً على احتمال الغارة. المسيّرات الإسرائيلية، التي يسميها السكان محلياً “الزنّانة”، باتت هي من يحدد الإيقاع اليومي في أحياء حارة حريك وبئر العبد.
وبالنسبة إلى الأهالي، تبدو قواعد الاشتباك اليوم أقل قابلية للتنبؤ من أي وقت مضى، فيما تثير كثافة الاستهداف والاستطلاع الجوي المتواصل أسئلة ملحة حول مدى انكشاف هذه الجغرافيا المكتظة.
تمتد هذه البقعة بين البحر وتلال الحدث وبعبدا، وكان يُشار إليها في المراجع التاريخية حتى منتصف القرن الماضي بـ”ساحل المتن الجنوبي”، كأراضٍ زراعية تضم بساتين ليمون وزيتون. وكان طابع بلدات مثل الشياح والغبيري يغلب عليه الهدوء القروي، قبل أن تؤدي الهجرات الداخلية والتوسع العمراني السريع إلى إعادة رسم الخريطة الاجتماعية للمكان.
وفي دكان صغير لبيع قطع غيار السيارات المستعملة بشارع هادي نصرالله، يجلس أبو حيدر (72 عاماً) مستذكراً بدايات هذا التحول، متذكراً الخمسينيات حين وصل والده من الجنوب للعمل في معامل النسيج بالشياح قائلاً: «كنا نجي لهون لأن بيروت كانت غالية علينا».
غير أن هذا التوسع الاجتماعي البطيء سرعان ما تصاعد بفعل التحولات السياسية والعسكرية. فقد تسبّب ارتفاع الإيجارات في العاصمة بدفع الوافدين الجدد نحو الهوامش التي تحولت تدريجياً إلى أحياء مكتظة كحي السلم والرمل العالي.
ثم جاءت أحداث الحرب الأهلية والاجتياحات الإسرائيلية عامي 1978 و1982 لتترافق مع موجات نزوح وفرز سكاني واسعة دفعت عشرات الآلاف للاستقرار هنا، بينما انكفأ جيرانهم المسيحيون التاريخيون نحو الجبل أوالاغتراب.
على وقع هذه المتغيرات المتلاحقة، بدأت تتشكل البيئة التي خرجت منهالاحقاً البدايات التنظيمية لحزب الله في مسار تدريجي تجاوز الحدث المنفرد.
وعلى مر العقود، طوّر الحزب شبكة واسعة من المؤسسات الخدمية والصحية كمستشفى الرسول الأعظم ومؤسسات الإعمار. كما أسس مؤسسات مالية كـ”جمعية القرض الحسن” المنشأة عام 1982، والتي خضعت لعقوبات أميركية عام 2007.
وقد اتسع دورها الاجتماعي والخدمي الشامل عقب الأزمة المصرفية اللبنانية عام 2019، مما جعل حضور الحزب يتجاوز البعد السياسي والعسكري ليلامس التفاصيل اليومية للسكان.
هذا الحضور الجغرافي والسياسي جعل المنطقة هدفاً رئيساً في مسار المواجهات العسكرية المتبادلة على مر العقود. فعقب حرب صيف 2006، ارتبط اسم المنطقة بما يُعرف في الأدبيات العسكرية بـ”عقيدة الضاحية”، وهو مصطلح صاغه قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت عام 2008، للإشارة إلى استراتيجية عسكرية تعتمد استخدام قوة نيران كثيفة وتدمير واسع للبنية التحتية والمباني التابعة للبيئة الحاضنة بهدف الردع والضغط السياسي.
إلا أن المشهد اليوم ينقلب من التدمير المساحي الشامل الذي طبع حرب 2006 إلى نمط آخر من المواجهة؛ إذ يتركز الواقع الحالي على الملاحقة التقنية والدقيقة للكوادر والقيادات عبر الاستشعار والمسح التكنولوجي.
هذا التحول التكتيكي يضاعف الضغط النفسي على المجتمع المحلي، الذيبات يشعر بأن حركة أفراده وأمنهم اليومي مكشوفان كلياً أمام المراقبة الجوية.
رغم ذلك، فإن المشهد العسكري لا يختصر اليوميات كاملة، فالضاحية ليستكتلة صماء كما تظهر غالباً في الشاشات. في مقاهي المشرفية، تتداخل أكواب القهوة على الطاولات مع أصوات المعلقين الرياضيين ومحادثات تتنقلبين أسعار المحروقات ومباريات المساء، حيث يقول هادي (24 عاماً) أثناء متابعته مباراة كرة قدم: «بدنا نعيش يومنا، ما حدا فيه يضل مشدود طول الوقت».
لكن على بعد كيلومترات قليلة، يختلف المشهد تماماً في حي السلم والأوزاعي، حيث تزداد قسوة الظروف المعيشية وتتراجع الخدمات الأساسية، لتقول أم علي، وهي ربة منزل في الحي: «عم نخاف من الضربة، بس الخوف اليومي الكبير كيف نأمن ربطة الخبز واشتراك الموتور».
يتداخل هذا الوضع أيضاً مع واقع مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين الذي يضم أكثر من 20 ألف لاجئ ومقيم وفق تقديرات الأونروا، حيث تتلاشى الحدود الفاصلة بين البلدة والمخيم، وتتقاطع في أزقته الضيقة معاناة اللاجئ والنازح والفقير اللبناني، ليختصر أبو أحمد، صاحب دكان عند مدخل المخيم، هذا الواقع بقوله: «الفقر واحد، والزنّانة فوق رؤوسنا جميعاً، لا تسأل عن جنسية أحد في المساء».
هذا التباين المعيشي والميداني يفتح الباب واسعاً أمام نقاش مكتوم ومحتدمبين الأهالي حول خيارات المستقبل وحدود القدرة على التحمل. فالخوف من الغارات لا يلغي أسئلة السياسة والأمن في مجتمع يتجاذبه شعور بالانكشاف وأزمات معيشية طاحنة.
يعبّر حسين (41 عاماً)، وهو صاحب ورشة صيانة في بئر العبد، عن هذاالتردد المحتدم بالقول: «نحن بين نارين؛ في ناس بتشوف بالسلاح الحماية الوحيدة بوجه إسرائيل، وفي ناس تعبت من كلفة الحرب المستمرة وبدها الدولة ترجع تاخد دورها وتضمن الأمان والسيادة».
بين هذه القراءات المتضاربة والخيارات الصعبة، تحاول المنطقة امتصاص ضغوطها اليومية بانتظار مسارات الميدان والسياسة. تفتح الدكاكين أبوابها، يُشترى الخبز، وتُجرى الاتصالات بحدها الأدنى، فيما يواصل الصوت تردده في السماء.
الصوت باقٍ، والضاحية تنتظر الصمت.
