الخبز والدولار: حين تصبح الحياة اليومية ساحة حرب

بقلم الياس عيسى الياس

في هذه الأيام، لم يعد السؤال كم تملك في جيبك، بل كم سيتبقى منه حين تفتح عينيك غداً.
 
أفكر أحياناً في ذلك الصيرفي الذي يقف عند صبيحة كل يوم في طهران، أوفي تلك الأم التي تنتظر في بيروت تحويلاً مالياً صغيراً من ابنها المغترب كي تشتري دواءها. أتساءل: هل يدرك هؤلاء حقاً ما يدور في أروقة واشنطن أو في اجتماعات الغرف المغلقة؟
 
الأرجح أنهم لا يكترثون بالتفاصيل، لكنهم ينامون ويستيقظون على حقيقة واحدة موجعة: أن لقمة عيشهم، وشعلة الكهرباء في منازلهم، وسعر حبة الدواء، أصبحت كلها رهينة لقرارات تُتخذ على بعد آلاف الكيلومترات.
 
لم تعد الحرب بحاجة دائماً إلى طائرات تقصف أو دبابات تقتحم، بل وجدت طريقاً أقصر وأشد قسوة: أن تدخل مباشرة إلى المائدة.
 
فعندما أعلنت واشنطن حملتها المالية الأخيرة تحت اسم “المنبوذ الاقتصادي”، لم تكن النتيجة مجرد أرقام جافة في النشرات الإخبارية، بل كانت تهاوياً مرعباً للريال الإيراني ليلامس مليوني ريال مقابل الدولار الواحد.
 
أرقام نراها على الشاشات كأحداث سياسية، لكنها تترجم داخل البيوت إلى رفوف فارغة وقلق لا ينتهي من الغد.
 
إن الخطر الأكبر لهذه الحروب الاقتصادية لا يكمن فقط في غلاء الأسعار، بل في كونها تسلب الفرد القدرة على التخطيط لأبسط تفاصيل حياته، وتجعله مكشوفاً يعيش تحت رحمة صدمة قادمة من الأسواق لا يد له فيها ولا قدرة له على ردها.
 
يتجلى هذا الخوف بوضوح في بغداد؛ حين يجد المواطن هناك نفسه خائفاً من صيف آخر بلا كهرباء بسبب تعثر مستوردات الغاز وسط تعقيدات حركة الأموال والنظام المصرفي الدولي.
 
ويتكرر المشهد في لبنان؛ حيث تصبح أي عرقلة في التحويلات المالية بمثابة إطفاء أخير لرمق عائلات تعتمد على الخارج لتأمين قوت يومها وسلعها الأساسية.
 
كان المفكر مالك بن نبي يتحدث قديماً عن “القابلية للاستعمار”، لكني أجد نفسي أميل إلى تسمية واقعنا اليوم بـ “القابلية للارتهان”.
 
لقد أصبحت مجتمعاتنا مرتهنة بالكامل؛ لأنها عاجزة عن بناء استقلال نسبي في غذائها، وطاقتها، واستقرار عملاتها. وحين تضيع هذه المقومات، يتوقف العقل الجمعي للمجتمع عن التفكير في التنمية أو بناء المستقبل، وينحصر السعي كاملاً في سؤال بدائي واحد: كيف أؤمن قوت اليوم؟
 
حتى الصراعات الكبرى على الممرات البحرية في مضيق هرمز، أوالتحركات البراغماتية لدول مثل الصين للالتفاف على العقوبات وحماية مصالحها، لم تعد تحليلات إستراتيجية بعيدة.
 
إنها الخلفية الثقيلة لمعاناة الناس العاديين؛ فكل اضطراب في حركة السفن، وكل قرار في بنك مركزي، يتسرب في النهاية ليقتطع جزءاً من خبز عائلة تصارع كي تبقى على قيد الحياة.
 
في نهاية المطاف، ليست المشكلة في قوة الدولار ولا في قسوة العقوبات، بلفي أن الإنسان في بلادنا أُخرج كلياً من المعادلة، وصار مجرد ضحية غير مرئية في صراع الكبار.
 
وحين تتحول تفاصيل عيشنا إلى أوراق تفاوض، أجدني أتساءل: عن أي سلام يتحدثون؟ إن السلام الذي لا يضمن للناس خبزهم ودواءهم وكهرباءهم، ليس سلاماً على الإطلاق… إنه مجرد هدنة على الخرائط، بينما نعيش نحن الحرب كل يوم على مائدتنا.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top