11 أيلول بعد ربع قرن: حين يلد الرد الخاطئ كارثته

بقلم الياس عيسى الياس

من أفغانستان والعراق إلى “حروب الإسناد”: لماذا يدفع لبنان ثمن ردود لم يقررها؟لا أكتب هذه السطور كقراءة صحفية باردة أو سرد تحليلي محايد، بل كشاهد يعيش، كغيره من اللبنانيين، خيبة التفرج على وطن يُستباح قرارُه وتلتهم أزمات الخارج مستقبل أبنائه.فبعد ربع قرن على تلك اللحظة التي حبست أنفاس العالم في 11 أيلول/سبتمبر 2001، لم يعد السؤال التقليدي عن الفشل الأمني أمام تسعة عشر رجلاً هو ما يثقل وجداننا. ما يقضّ مضاجعنا اليوم هو ما جرى بعد أن انجرّ العالم خلف الانفعال، وكيف تحول الغضب المشحون بالثأر إلى حروب مفتوحة نؤدي أثمانها باهظة في الشرق الأوسط حتى هذه اللحظة.أقف اليوم أمام هذه الذكرى لأرى كيف تتكرر الخطيئة ذاتها. لم تكن المأساة في الذهول الأول يوم الهجوم فحسب، بل في تلك القرارات المنفعلة التي أطلقت عقال القوة العسكرية دون التفات لأحوال البشر ومصائرهم.تصرفت واشنطن حينها بعقلية الانتقام السريع، ودُعي المواطن هناك ليمارس حياته الاستهلاكية وكأن شيئاً لم يكن، بينما أُرسلت الجيوش عبر البحار لتخوض حروب استنزاف بلا أفق، دون أن يستوعب أصحاب القرار أن التطرف لا يُهزم بالصواريخ وحدها إذا أُهملت جذوره المتمثلة في الظلم، والفقر، والدكتاتورية، وانهيار المؤسسات.وفي العراق، كانت الصدمة أشد قسوة على مجتمعاتنا؛ حيث أسقط الاحتلال الدولة وتفككت مؤسساتها، ليولد من بين الرماد والفرز الطائفي تنظيم أشد وحشية.ولم تكن تلك المأساة مجرد أخبار نقرؤها في الصحف، بل امتد شررها لتلامس بيوتنا وقرانا على الحدود الشرقية في القلمون وعرسال، حيث عاش أهلنا كابوساً حقيقياً ومباشراً.وبعد عشرين عاماً من نزيف الدماء في أفغانستان، عادت طالبان إلى السلطة وكأن الزمان يتوقف ليقول لنا إن منطق البطش العسكري وحده لا يصنع استقراراً ولا يحمي إنساناً.واليوم، نجد أنفسنا أمام المشهد ذاته وكأن التاريخ يعيد نفسه في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. أثبتت الأيام أن التكنولوجيا والجدران العازلة التي بنيت لتلافي أسباب الصراع لا تمنح إسرائيل أماناً حقيقياً مع استمرار إنكار حقوق الشعب الفلسطيني وحصاره.غير أن التبعات الأشد قسوة تمثلت مجدداً في طبيعة الرد؛ إذ اندفعت الحكومة الإسرائيلية نحو دمار شامل وتهجير واسع، لتكرر الخطأ الأمريكي ذاته: اعتماد العنف المفرط بلا أي رؤية سياسية أو إنسانية لليوم التالي.وفي المقابل، وجدنا أنفسنا في لبنان مرة أخرى نُساق إلى هذا الأتون. دُفعت مجتمعاتنا نحو “حروب الإسناد” ومواجهات مفتوحة أقرها “حزب الله” بقرار منفرد خارج أطر الدولة.ليجد المواطن اللبناني نفسه يُفاجأ بالحرب، ويدفع من أمنه وأرزاقه وأرواح أبنائه أثماناً باهظة لسياسة لم يشارك في صنعها، ولا عبّرت عن إرادة وطنية جامعة.لقد تعب اللبنانيون من أن يكون وطنهم دائماً صندوق بريد لرسائل الآخرين، أو ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية لا يد لهم فيها.من شظايا غزو العراق، إلى موجات النزوح المتتالية، وصولاً إلى الخوف اليومي الذي يسكن كل بيت مع كل تصعيد جديد.إن حماية لبنان واستعادة كرامته لا تكون بانتظار الحلول من الخارج ولا بالإمعان في ارتهان القرار الداخلي، بل ببناء دولة حقيقية حاضنة لجميع أبنائها. دولة تقوي أجهزتها وجيشها الوطني، وتحمي حدودها السيادية، وتتمسك بشرعية وأحادية قرار الحرب والسلم.فالعتاد والسلاح قد يمنعان خطراً داهماً في لحظة عابرة، لكنهما لا يبنيان أماناً استراتيجياً ولا يصنعان طمأنينة لشعب يريد أن يعيش بكرامة.إن أشد ما تُبتلى به الشعوب هو أن تعمى السلطات عن نتائج ردود أفعالها؛ واستعادة الدولة اللبنانية لقرارها وسيادتها الكاملة ليست رفاهية فكرية، بل هي شرط بقائنا الوحيد.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top