عن الزواج والوفاء.. وحكاية ستة عشر عاماً :إلى رانيا

بقلم الياس عيسى الياس

إلى رانيا

مرّت ستة عشر عاماً منذ أن تزوجنا. لم نكن حينها نصفين يبحثان عن اكتمالٍ وهمي، بل شخصين مكتملين اختارا أن يخوضا معاً أصعب الفنون الإنسانية وأجملها: أن نصنع «نحن» دون أن نقتلع «أنا» أو «أنت».

فالزواج مساحة يتجاور فيها إنسانان متميزان، يتعاهدان على السير في طريق واحد دون أن يغتال أحدهما فردية الآخر. غير أننا نبحر في زمن أصبحت فيه الفردانية قيمة مركزية، وغدت السعادة الشخصية وتحقيق الذات بوصلة أساسية في كثير من القرارات.

وفي عصرٍ تراجعت فيه كثير من الأطر التقليدية التي كانت تضبط الرغبة والالتزام، تحول السؤال إلى هاجس دائم: “هل أنا مع الشخص المناسب؟ وهل يمكنني أن أكون أكثر سعادة مع غيره؟”.

وهنا تضيء فكرة “الأنومي” عند عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم جوهر الأزمة المعاصرة؛ فحين تضعف الحدود التي تضبط رغبات الإنسان والتزاماته، لا يصبح أكثر حرية، بل يصير أقل قدرة على الشعور بالاكتفاء. وكلما اتسعت دائرة الخيارات المفتوحة، تحول البحث عن السعادة إلى عطش لا يرتوي، وإلى سعي دائم خلف مجهول قد لا يأتي. أضحى الإنسان يقع تحت طائلة المقارنة المستمرة بين حقيقة شريكه الواقعي وصورة متخيلة لشريكٍ مفترض، حتى بات الاستقرار يتبدى لبعضهم وكأنه خوف من تفويت حياة أفضل في مكان آخر.

الشريك ليس كتاباً نقرأه مرة واحدة ونغلقه، بل هو نصٌّ مفتوح تعيد الحياة كتابة بعض صفحاته كل يوم. يتغير الإنسان بالخسارة والنجاح، بالعمر والمرض، بتراكم الخبرات وبما تفعله الأيام في أحلامه.

ولم أكن دائماً الأفضل في فهم ذلك؛ إذ تعلمتُ مع الأيام أن بعض ما يظنه المرء خلافاً مع الآخر يكون في الحقيقة أثراً ليومٍ ثقيل حُمل إلى البيت. أذكر كيف واجهنا معاً تحولات لم تكن في الحسبان من ضغوط العمل وأزمات الاقتصاد والقلق اليومي، وكيف تكتشف الشدائد في الإنسان طاقاتٍ من الصبر والصلابة لم تكن حاضرة في البدايات.

إننا نعيش في عصر تُعرض فيه صور الحياة المشتهاة عبر الشاشات ومنابر الاستهلاك، وتدفع الناس، من دون أن يشعروا، إلى مقارنة واقعهم بجماليات معلبة. غير أن الوفاء لا يعني أن نحب فقط الشخص الذي عرفناه في اليوم الأول، بل أن نملك النضج الفكري والوجداني لنشهد التحولات الإنسانية في الآخر، ولنتعلم كيف نتعرف إليه من جديد مع كل تجربة يخوضها.

الحب ليس انفعالاً عابراً، بل هو معرفة وعناية ومسؤولية. والبيوت لا تعيش بمعزل عن العالم؛ فحين يضيق المرء ذرعاً في أوقات الشدة، كثيراً ما يكتشف أن غضبه لم يكن موجّهاً إلى الشريك، بل كان نتيجة ضغط العالم الخارجي الذي يتسلل من الباب.

وهنا تظهر حكمة الصبر؛ ذلك الصبر الذي يحتوي النقص البشري دون أن يمنح الخطأ حصانة. إنه التمييز الدقيق بين عيبٍ يُستوعب بالمودة، وخطأٍ يُصلح بالحوار، وأذىً توضع له حدود واضحة حمايةً للكرامة. وفي كثير من العلاقات، لا يأتي الانهيار من انفجار مفاجئ، بل من تراكمات صامتة وتفاصيل صغيرة من النقد والازدراء والدفاعية والانغلاق؛ والوعي الحقيقي يكمن في عدم ترك هذه الطعنات الصامتة تنخر في أساسات البيت.

من هذه التراكمات اليومية والضغوط الخارجية، ينشأ التحدي الأكبر: كيف يُدار الخلاف اليومي في تفاصيل الحياة العادية؟ هنا تتجلى الحاجة إلى «هندسة الاختلاف»؛ أي ذلك الاتفاق الضمني على إدارة التباين في الطباع والاهتمامات دون تحويله إلى معركة وجودية.

هي أن نعرف كيف نختلف في وجهات النظر حول خيارات الحياة اليومية أو ترتيب الأولويات، ثم نصل إلى مساحة مشتركة دون أن يشعر أحد الطرفين بأنه هُزم أو صُودر رأيه.

القرب نفسه يحتاج إلى مساحة؛ فالقرب الذي يمحو الفردية مصادرة للروح، والمسافة التي تلغي المشاركة جفاء. وبين الامتلاك والهجر، تقام تلك المساحة الدقيقة والسامية التي تسمى الاحترام؛ فلا يتطلب النضج أن ينتصر حلمٌ على آخر، بل أن يُفسح المجال للشريك ليستقل برأيه وطريقه دون ازدراء.

الزواج ليس محكمة تبحث كل مساء عن مذنب، ولا حلبة ينبغي أن يخرج منها أحد الطرفين منتصراً؛ فكم من إنسان ربح النقاش وخسر القلب. بالطبع، هناك علاقات ينبغي مغادرتها عندما تتحول إلى سجن من الإهانة أو الأذى، ولا يجوز للوفاء أن يتنكر في زيّ العبودية.

لكن القضية المعقدة تتجلى في أولئك الذين يعيشون علاقة مستقرة وقابلة للإصلاح، ثم يبدأون في تدميرها لمجرد أن الخيال أقنعهم بأن حياة أخرى قد تكون أكثر لمعاناً. وليس كل ما يقيد الحرية ينتقص منها؛ بل إن بعض الالتزامات الواعية التي تُختار بالإرادة هي التي تمنح الحياة شكلها ومعناها. إن أسمى مشاعر الأمان لا تأتي من القفز خارج السفينة مع كل موجة، بل من إتقان الإبحار معاً وسط العواصف.

إن الشخص المناسب ليس إنساناً نعثر عليه حاضراً ومكتملاً منذ البداية؛ بل هو إنسان نختاره، ثم نتعلم معاً كيف نصبح مناسبين لبعضنا. الوفاء الحقيقي ليس مجرد بقاءٍ سلبي مع خيارٍ اتُّخذ في الماضي، بل هو قرار واعٍ يُجدَّد كل يوم، استناداً إلى معرفة عميقة بما كُتب معاً سطراً سطراً.

وبعد ستة عشر عاماً، ربما لا يكون السؤال: هل اخترنا الشخص المناسب؟ بل: ماذا صنعنا بما اخترناه؟

أما أنا، فأعرف أنني لم أصل إلى «نحن» لأنني وجدت إنسانة كاملة، ولا لأنكِ وجدتِ فيّ رجلًا كاملًا. وصلنا إليها لأننا تعلمنا، عاماً بعد عام، أن نختار بعضنا من جديد، وأن نحافظ على «أنا» و«أنت» داخل «نحن». وأن نكتفي أحياناً بعبير الورود التي في أيدينا، بدلاً من إرهاق العمر في مطاردة سراب لا ينتهي.

وهذا، يا رانيا، ربما يكون المعنى الأعمق للوفاء.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top