
بقلم الياس عيسى الياس
في لحظات الانهيار الكبرى، ليس أشد إيلاماً من الخراب سوى الإصرار المريب على العيش في الوهم. أن تسير في الشارع فترى البيوت المهدمة، وتستمع لأنين الناس في القرى وهم يفتشون عن دواء لأطفالهم أو كفاف يومهم، ثم تلتفت إلى الشاشة لتجد من يفترض أنهم يمثلون هذا الشعب تحت قبة البرلمان يتحدثون بلسان منفصل تماماً عن الميدان.
يتغنون بالانتصارات وإفشال المخططات بينما الأرض تغرق تحت الأقدام، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر لا يصله صراخ الجياع والمنكوبين.
تجلت هذه الحقيقة المرة في الجلسة الأخيرة لمجلس النواب؛ إذ جددت الهيئة العامة الثقة بالحكومة بـ 68 صوتاً مقابل 12 صوتاً فقط لحجبها. وبين هذين الرقمين، اختار نواب “حزب الله” الانسحاب الجماعي قبل التصويت.
لم يكن الخروج مجرد خطوة سياسية، بل كان هروباً صريحاً من لحظة الحقيقة؛ فبعد أيام من التصعيد والتخوين تحت القبة، فضّلوا الانسحاب كيلا يواجهوا الاستحقاق الدستوري، متجاهلين أن من شُرّدوا وتدمرت منازلهملم يعد ينفعهم هذا الاستعراض الشكلي.
لم يكن وقوفي عند هذا المشهد مراقبةً لسياسيين يتبادلون الاتهامات، بل وقوفاً بحجم الصدمة الإنسانية التي نعيشها جميعاً. فمن الجحود أن يقف نائب أمام الميكروفون ببدلة أنيقة وخطاب متكلّف ليخبر مواطناً فقد جنى عمره وركام بيته يملأ الأفق، بأننا “انتصرنا في علي الطاهر”.
لا يمكن لمنطق عاقل أن يقيس النصر بتلة أو حجر بينما الإنسان اللبناني يُطحن في كل لحظة بين الفقر والنزوح؛ إنما استُدعت البطولات القديمة لردم الفجوة الهائلة مع الفشل الحالي، وكأن الذاكرة درع نتقي به العجز عن بناء دولة تحمي كرامة أبنائها.
تتعمق المأساة حين يتكشف العجز عن إنتاج لغة واحدة تحاكي وجع الناس، حتى أولئك الذين يشكلون الحاضنة الشعبية للحزب نفسه. لقد أفلست الشعارات وتجمدت الترسانة الكلامية، وبقي المواطن وحيداً يتجرع الخيبة.
تنعكس هذه الفجوة في خطاب الكتلة ونوابها؛ إذ يخرج النائب إيهاب حمادة في أدبياته ليردد أن “العدو واهم إذا ظن أنه سينتصر على ذاكرتنا”، بينما يطل النائب حسن فضل الله ليؤكد في مواقفه المتكررة أن “شعبنا لا يغير قناعاته”. وكأن الذاكرة والقناعات أصبحت في الأدبيات السياسية بديلاً عن سقف البيت المهدوم، أو عن حبة الدواء المفقودة، أو عن تأقلم الخطاب مع حجم الكارثة الحقيقية!
ولم يقف انفصالهم عن الواقع عند حد الخطابات الخشبية، بل تحولت القاعة إلى ساحة للتراشق التخويني، حيث يُرمى كل من يطالب ببسط سلطة الدولة بفرية العمالة ويُصنّف فوراً ضمن “جماعة إسرائيل”.
استعرضوا أبيات الشعر المهينة في مواجهة النائب ميشال معوّض، واشتبكوا كلامياً مع النائبين زياد حواط ووضاح الصادق حين سألا عن حقيقة ما جرى على الأرض، حتى ضاق الرئيس نبيه بري ذرعاً بالمنظر فصرخ بحسرة: “يا عيب الشوم”. وفي الوقت ذاته، وقف النائب رائد برو ليحاضر الحكومة فيما فعلته، في تجاهل تام أن تعطيل المؤسسات ومصادرة قرار الحرب والسِلم هما ما أوصلنا إلى هذه الهاوية.
وهنا تبرز المفارقة التي تستفز العقل: يصعّدون مواجهتهم ضد الحكومة إلى الحدود القصوى ويوزعون اتهامات التآمر، ثم ينسحبون قبل التصويت لإسقاطها.
وفي الوقت نفسه، يظل وزيرا العمل والصحة، المحسوبان رسمياً على الحزب، متمسكين بمقعديهما داخل الحكومة نفسها ويشاركان في جلساتها بانتظام.
يتصرف الحزب وفق هذه الازدواجية لأنه لم يعد يصارع حكومة أو محاصصة وزارية، بل يصارع موقعه المتهاوي في معادلة جديدة حُسم فيها قرار الناس والدولة بالتمسك بالسيادة وحصرية السلاح وتولّي الجيش حماية الأرض والحدود.
إن هذا الانفعال البرلماني لا يعكس قوة، بل تشخيصاً لهزيمة مالية وعسكرية شاملة. فبعد سنوات من الاستعراض والتباهي بأن “أكلنا وشربنا وسلاحنا وصواريخنا من إيران” وأننا “من يأتي بالدولار إلى لبنان”، انهار هذاالشريان بالكامل مع انقطاع خطوط الإمداد وتدهور الوضع المالي للرعاة الإقليميين.
ثم جاء الاستنزاف الميداني القاسي والضربات التي طالت البنية الصاروخية ومخازن التسليح ليحاول الخطاب السياسي الهروب منها بالتظاهر بالتماسك، بينما الواقع يتكشف عن انكسار هائل في القوة المادية واللوجستية. ويكتمل الألم حين نسمع أبواقاً تتفاخر بجمع السلاح داخل القرى والمناطق السكنية، وكأن أجساد الأطفال وسقوف العائلات مجرد دروع لمنشآت تُهدم وتدمر.
إن ما نراه اليوم هو منهج تعامٍ خطير عن الواقع ووجع البشر. لقد تعب اللبنانيون من الشعارات التي لا تُطعم خبزاً، واستنزفتهم لغة “الانتصارات الإلهية” بينما الحقيقة الصارخة على الأرض هي الدمار والفقر والنزوح.
ما نحتاجه اليوم ليس نواباً يتقنون التخوين وتوزيع الاتهامات، بل مسؤولين يملكون شجاعة النظر في المرآة والإقرار بأن التجربة الكارثية قد انتهت، وأن الخروج من هذا النفق يستوجب العودة الصريحة إلى أحضان الدولة ومؤسساتها. فالأوطان لا تُبنى بالأوهام، ولا يمكن لخطاب مهجور من الإنسانية أن يعيد بيتاً هُدم، أو يوفر دواءً لطفل، أو يبني وطناً يتسع لأبنائه.
