اقتصاد الظل الإيراني لا يعيش في الظلام إلى الأبد عندما تصبح حيلة البقاء عبئاً يأكل صاحبها ويخنق المنطقة

بقلم الياس عيسى الياس
 
لم أعد أستطيع النظر إلى صور ناقلات النفط في الأخبار باعتبارها مجرد “أرقام وتجارة دولية”. هناك شيء مؤلم ومكشوف في المشهد: نفطٌ لا يسافر كباقي بضائع العالم بكرامة ووضوح نحو عنوان معروف وميناء مرحّب به، بلتبدأ رحلته بمناورة خائفة.
 
ناقلة ضخمة تطفئ جهاز تعريفها الآلي، فتختفي بياناتها عن الشاشات كأنها شبح ينزلق في الظلام، خجلاً أو هرباً من عين ترصدها.
 
تخيل معي تلك اللحظة في عرض البحر؛ قبالة سواحل ماليزيا أو في نقطة معزولة من المحيط. تلتقي سفينتان في العتمة، ويُفرغ النفط من بطن الأولى إلى الثانية. لكن ما يسيل بين السفن ليس السائل الأسود وحده، بل هويته أيضاً. تُنزع عنه جيناته، وتتغير أسماء المالكين والأعلام والشركات التيتديره، وكأننا أمام عملية تزوير روحٍ كاملة كي تعبر الشحنة إلى بر الأمان.
 
وعندما تصل الأموال في النهاية، تكون قد مرت بعشرات الأيدي والشركات الوهمية والحسابات السرية بين دبي وهونغ كونغ، لترسم خريطة طريق معقدة لا تفعل شيئاً سوى إخفاء الحقيقة.
 
كثيراً ما أسمع من يقول، بشيء من الإعجاب: “أليست هذه شطارة ومرونة؟ ألم تنجح إيران في بيع نفطها والتكيف مع الحصار؟”.
 
في الظاهر، قد يبدو الأمر كذلك. لكن حين تتأمل في عمق هذا المشهد، تكتشف أن هذا ليس اقتداراً، بل هو نزيف مستمر. اللعبة لا تعني أن الاقتصاد بخير، بل تعني أنه يشتري بقاءه اليومي بقطع أجزاء من جسده.
 
ما يجعلك تتوقف بغضب وألم أمام هذه اللعبة اليوم هو أن أدوات الخناق اختلفت. فمنذ أن أطلقت واشنطن في آب/أغسطس 2026 حزمتها الجديدة المشددة ضد “أسطول الظل”، لم يعد الأمر مجرد حبر على ورق أو ملاحقة لشركات وهمية.
 
الضغط أصبح خناقاً ملموساً يمتد للبنوك المتبقية، وللموانئ، وللمصافي ذاتها قبالة جزيرة خَارْج ومضيق هرمز. أصبحت الفكرة واضحة: لم يعد هناك مجال للالتفاف المريح، والتمويه المصرفي لن يحمي سفينة واقفة أمام ميناء محاصر.
 
وهنا تظهر الفاتورة الحقيقية التي يدفعها الناس، لا السياسيون. كي تبيع برميل نفط واحد في الظلام، عليك أن تطأطئ رأسك للشروط القاسية. المصافي المستقلة في الصين تعرف أنك مأزوم، فتفرض عليك خصومات حادة وتشتري نفطك بأبخس الأسعار.
 
ثم يأتي دور الوسطاء، والتجار، ومكاتب الصرافة، والمهربين الذين يقفون في السلسلة كطفيليات تتغذى على كل خطوة في الظلام.
 
تضاف إلى ذلك أرقام خيالية تُدفع لأجور النقل التي سجلت مستويات قياسية بلغت نحو 11.50 دولاراً للبرميل، وملايين تذهب للتأمين ومخاطر الحرب. في النهاية، تُباع الثروة الوطنية بالتراب، ولا يصل منها إلى خزينة الدولة إلا الفتات.
 
وهنا تسأل نفسك كإنسان يعيش هنا ويشاهد الشظايا تصل إلى بيته: أين يذهب كل هذا؟
 
الجواب نلمسه في يومياتنا ونراه ينعكس مباشرة على واقعنا في لبنان. عندما ينكمش هذا الشريان المالي وتضيق قنواته الرمادية، يتأثر فوراً حجم وسرعة التدفقات المالية المخصصة لدعم حزب الله وحلفاء طهران في بلدنا، وتتراجع قدراتهم المادية بشكل مباشر.
 
لكن الدرس الأكثر إيلاماً بالنسبة لنا في لبنان هو أننا نعرف هذا النموذج جيداً وشربنا من الكأس ذاتها. لقد عشنا تجربة “اقتصاد الظل” بكل قسوتها؛ رأينا كيف تتحول الدول والشرائح الاجتماعية تحت الضغط إلى اقتصاد موازٍ يعتمد على “الكاش”، وشبكات التهريب، والسوق السوداء للمال.
 
رأينا كيف يستفيد حوت أو سمسار على حساب الناس الذين يزدادون فقراً كل يوم. إنه النموذج ذاته الذي يقتل الدولة الشرعية ومؤسساتها، ويسلم المقدرات لشبكات غير رسمية لا تحسب حساباً إلا لأرباحها الخاصة.
 
وإذا كان الداخل يدفع هذا الثمن الباهظ، فإن الهروب نحو الشرق لم يكن إنقاذاً، بل كان استبدال سجن بسجن آخر. الشريك في بكين لا يتحمل المتاعب حباً في أحد، بل بلغة الأرقام الصارمة.
 
تحول الدفع إلى “اليوان” جعل طهران تبتعد عن الدولار، لكنه جعل استقرارها المالي كله رهينة في يد عدد محدود جداً من المشترين الصينيين الذين يملون شروطهم كما يشاءون.
 
المفارقة المحزنة في كل هذه الشبكة المعقدة هي أنها تحمل بذور خرابها فيداخلها. كلما أضفت طبقة جديدة من التمويه لحماية شحنة نفط، أضفت سمساراً جديداً إلى السلسلة.
 
وهؤلاء المشغلون ليسوا حلفاء عقائديين يضحون من أجلك؛ إنهم تجار يهربون عند أول شعور بالخطر. وكل شخص إضافي يدخل هذه المنظومة يتسبب في فتح ثغرة جديدة يستطيع العالم رصدها والضغط عليها.
 
في النهاية، لا يتعلق الأمر بمهارة قائد سفينة استطاع أن يهرب من الرادار، بل بالسؤال الذي يمس حياتنا جميعاً: كم يتبقى من قيمة هذه الثروات بعد أن ندفع كلفة إخفائها وشحنها وتأمينها ورشوة السماسرة لبيعها؟
 
الحيلة قد تؤمن لك قوت اليوم، لكنها في الغد تتحول إلى عبء يأكل الأصل والفرع. أقولها بوضوح: لا يستطيع اقتصاد الظل أن يعيش في الظلمة إلى الأبد.
 
فمهما أتقنتَ فنون التخفي، ستظل بحاجة إلى ميناء حقيقي، وبنك حقيقي، ومشتري حقيقي. وكل نافذة يحاول اقتصاد الظل أن يتنفس منها كي يخرج إلى العالم، هي في الحقيقة ثقب مكشوف يستطيع العالم إغلاقه في أي لحظة، ليترك الناس وحدهم يدفعون ثمن العتمة.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top